تحاول إسرائيل، ومنذ فترة طويلة، وبالذات منذ الإطاحة بنظام الشاه وانتصار الثورة الإسلامية الخمينية في إيران سنة 1979 التحكم في مصير منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، في المحافظة على الولاء وترسيخ تبعية أنظمة الحكم في المنطقة للسيد الأمريكي والغرب عمومًا. وقد قبلت إسرائيل بحكوماتها المتأرجحة بين ليكود (أ) و (ب) ومعراخ الماضي واليوم ان تلعب دور الشرطي والحارس الأمين لمصالح الغرب عمومًا وللامبريالية والاستعمار الأمريكي خاصة. فمن الصعب جدًا ان تندمج إسرائيل في أسرة شعوب الشرق الأوسط المحبة للسلام والحرية. الآن، لأن هذا الاندماج يتناقض مع الطبيعة السياسية الطبقية الفكرية للدور الذي تقوم به إسرائيل السياسي والعسكري والاقتصادي في خدمة الامبريالية والاستعمار عمومًا، في الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل وتصف نفسها كجزء من العالم الغربي الرأسمالي والتي لا تتفق مصالحها عمومًا مع أسرة التعايش وحُسن الجوار للدول المحيطة بها والشرق الأوسط عامة بما فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي كانت إسرائيل قبل الثورة ترتبط معها في عهد الشاه المخلوع بمصالح ومعاهدات واتفاقيات عسكرية وسياسية تهدف من ورائها الى قمع النضال التحرري للشعب الإيراني، والتدخل المشترك لقمع الهبات والثورات وكبح حركة الشعوب التحررية في العالم العربي، وموطئ قدم كبؤرة للتدخل والتجسس المباشر على دول شرق أوروبا بالاشتراك مع تركيا. وخلخلة أنظمة الحكم الاشتراكي في جمهوريات الاتحاد السوفييتي الآسيوية، وفي محاولة لتفتيت وإضعاف النظام الاشتراكي العالمي والاتحاد السوفييتي سابقًا.
كانت إيران الشاه تشكل ترسانة كبيرة من الأسلحة المتطورة جدًا والمتفوقة على مجموع دول العالم العربي بالكامل نتيجة للدعم الكامل والمباشر والتحالف الإسرائيلي – الشاهي وبدعم ومشاركة الغرب والامبريالية الأمريكية، فقد كانت إسرائيل تصدّر إلى نظام الشاه العميل والفاسد كل أنواع الأسلحة بما فيها التقنيات والتكنولوجية العسكرية بهدف محاربة العراق فيما بعد والحركات التحررية، واحتواء اكبر عدد ممكن من دول العالم العربي ووضعها تحت فكي التحالف إيران الشاه من الشرق وإسرائيل من الغرب. وخلق التناحر العدائي في جعل الصراع إقليميًا بين الشعوب العربية وبين الفرس والأمة الفارسية والإيرانية، ومثل هذا الصراع والطرح تحاول بل حاولت إسرائيل والولايات المتحدة تسويقه للعالم وكأن الصراع حضاري وثقافي وتاريخي بين سني وشيعي فارسي وعربي وليس سياسيا وطبقيا بين الاستعمار والامبريالية من جهة وبين دول وشعوب المنطقة التواقة إلى الحرية والعدالة وبناء المستقبل الأفضل. الم تسعَ دول مثل السعودية وقطر وتركيا والنظام العميل في البحرين وطبعا بدعم إسرائيلي أمريكي الى تشويه الهبة الشعبية الجماهيرية في مملكة البحرين وتصويرها وكأنها بين سنة وشيعة، وأن ما يجري في سوريا اليوم هو صراع بين السنة والعلويين وهكذا في بلاد الرافدين الذي يرزح تحت وطأة الصراع المذهبي التي تؤججه دول الجوار المرتبطة بإسرائيل وأمريكا. فيما لا يجري الحديث عن التحركات الشعبية المتفرقة التي لا تظهر في وسائل الإعلام الغربي والعربي والإسرائيلي، في دول مثل السعودية والكويت ضد أنظمة الحكم الفاسدة هناك، فالأرض والرمال تتحرك تحت أقدام شيوخ وملوك النفط في غالبية دول الفساد والتبعية والعمالة في الخليج العربي.
قد نختلف مع طبيعة النظام الإيراني الحالي، سواء من حيث الأسلوب الذي يحكم به الشعب الإيراني، أو من خلال إدارة زوايا غير واضحة في السياسة الخارجية، أو من حيث توزيع عادل للثروة في مرحلة ما بعد الشاه، والنهوض بالاقتصاد الإيراني ودمقرطة الحياة السياسية والبرلمانية، وتشكيل الأحزاب وإشاعة الديمقراطية في الحكم. لكننا نتفق تمامًا مع الكثير من أهداف الثورة الإيرانية الأساسية مثل تأميمات الثروة النفطية وطرد الاحتكارات الغربية والحد من الحاق الاقتصاد الإيراني وتبعيته للبنوك الغربية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وفي رسم السياسة الخارجية الإيرانية، بما يتماشى ومصالح الشعب الإيراني في بناء سياسة حسن الجوار مع دول الجوار، وقطع كل علاقة مشبوهة مع إسرائيل، والتصدي للنفوذ الأمريكي والغربي في المنطقة إذًا أين يكمن مصدر الخطر الحقيقي في المنطقة، أليس في سياسة إسرائيل التوسعية الإجرامية في الحرب والعدوان والاحتلال، وفي سياسة الولايات المتحدة العدوانية والقواعد العسكرية وحشد الأساطيل في مياه الخليج وتواجد القواعد في كل من السعودية وقطر والبحرين والتواجد العسكري في العراق وأفغانستان وغيرها. ان من حق الشعب والقيادة الإيرانية الحصول على التكنولوجية النووية للأغراض المدنية والاقتصادية، ثم لماذا يوجد حق لإسرائيل بامتلاك أسلحة دمار شامل بما فيها الأسلحة النووية وهي تملك ذلك منذ سنوات الستينيات من القرن المنصرم، وفقًا لمصادر أجنبية. ومن هي القوى التي شرعنت وأقرت وأعطت إسرائيل هذا الحق، وتمنعه عن غيرها، الم يقصد منه جعل إسرائيل تبسط نفوذها وبطشها واحتلالها على أراضي دول الجوار، وتمنع النضال التحرري للشعب الفلسطيني على مدار سنوات اقامتها، وعلى اساس ذلك كانت كل حروب اسرائيل مع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية عدوانية مئة بالمئة بهدف القضاء على الأنظمة الوطنية وحركات التحرر الوطني والمد الثوري والوطني في العالم العربي.
هل إسرائيل أسيرة شعبها، أم شعبها أسير سياسة التخويف والترهيب والكذب والتزوير بالبعبع الأمني والنووي الإيراني، الذي يحاول قادة إسرائيل السابقون والحاليون على شاكلة نتنياهو وبراك وموفاز وليبرمان وكل مجرورات الأحزاب الصهيونية الذين يسعون ليلا ونهارًا في حجب الحقيقة عن الشعب والسعي الدائم إلى ترويضه وتدجينه وتخويفه مع شروق شمس كل يوم بيافطات "الأمن والخطر الداهم" من حزب الله وسوريا والتحذير من خطر وصول الأسلحة المتطورة في مرحلة ما بعد "سقوط النظام السوري" إلى أيدي قوى متطرفة ومنظمات إرهابية بدعم مباشر من النظام الإيراني الذي يشكل الخطر الأكبر ليس على إسرائيل وحدها، وإنما على العالم العربي والعالم اجمع، فحكام إسرائيل بالتشكيلة السياسية القائمة اليوم يحكمون على شعبهم ان يبقى أسير تكنولوجيا فن صناعة الكذب والعهر السياسي المبرمج والانصهار في دوامة الأمن وامتلاك إيران للقنبلة الذرية، تحت مظلة حماية إسرائيل وشعبها محاولين بذلك إبعاد الحقيقة الا وهي نهب خيراته في زيادة إغناء الاغنياء وإفقار الفقراء وتقاسم الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية وجعل المجتمع ينعم بالسلام والرفاهية، ومد يد السلام للشعب الفلسطيني للعيش وتحقيق تطلعاته في بناء دولته المستقلة.
إن الخطر الحقيقي على الشعب في إسرائيل وعلى شعوب المنطقة والعالم اجمع يكمن في التحالف الاستراتيجي العدواني بين المؤسسة السياسية - العسكرية اليمينية التي تحكم إسرائيل اليوم والمؤسسة العسكرية والإدارة الأمريكية في زمن بوش الأب وبوش الابن ويكملها اوباما كي يفوز بفترة رئاسية ثانية وفي التنكر الدائم والمستمر وبناء التحالفات واجهاض اماني وتطلعات الشعوب بالحرية والاستقلال والنهوض بالاقتصاد والتوزيع العادل للثروة والخيرات والتغطية المستمرة على أنظمة الاستبداد والظلم من جانب كلا الحليفين إسرائيل والولايات المتحدة. كل ذلك نعم يجلب الخطر ويجب القضاء على هذه السياسات المزدوجة بالمزيد من وحدة الشعوب المكافحة مع تحديد الهدف ومعرفة حجم المتآمر من الصديق.
إن الحقيقة أقوى، وتطلعات الناس والأمم هي المنتصرة على الكذب والدجل مهما دام واستمر.
(كويكات/ أبوسنان)
