"نحو مجتمع خالٍ من العنف"

single

نعيش في هذه الأيام في مجتمع مضطرب قلق فقد البوصلة في اتجاه العيش الهادئ والسعيد لقد عمّت الفوضى المجتمع والكل يعيش في فوضى مقلقة لا نهائية "لقد عمّت الفوضى وطَمّت" نسبة الجنوح عند العرب في إسرائيل ثلاثة أضعاف النسبة عِند اليهود.
لا يخلو يوم واحد من أخبار تتصل بقضية العنف والتعامل السيئ تجاه الغير لأتفه الأسباب، لا أدري إذا كانت حياة الناس قد تحولت إلى حياة "بطر" دون أن يعرفوا ما هي حدود اللياقة وحدود السلوك الصحيح.. ويظهر ان المثل الشائع "البطر يعمي النظر" ينطبق على طبقات المجتمع دون فرق بين غني وفقير ومتعلم وغير متعلم ومثقف وإنسان عادي "شبابنا اليوم يتغذون في سلوكهم اليومي من مصادر أقرب إلى أن تكون سلبية منها إيجابية، يتغذون من الشارع ومن الأفلام التلفزيونية والمسلسلات العنيفة... لقد تحوّل البيت إلى ملجأ للنوم فقط وفقد الإطار التربوي. وتحولت العائلات إلى إطار مفكك وتَحوّل الأهل في الغالب إلى "صفر على الشمال" ليس لديهم تقريبًا سيطرة على الأبناء إلا ما ندر، وصار بعض الأبناء يقومون بما يقومون به من أعمال سلبية وأعمال عنف وتعامل غير سليم وغير محترم مع الغير، أعمالا مُشينة يخجل لها الجبين وعندما يحاول الأهل إعطاء النصيحة (وليس حتى الردع الواجب والحزم القاطع) ينعتهم الأبناء بأنهم "جيل قديم" تقليدي لا يعرف ما تتطلبه الحياة العصريّة من معايير ومَقاييس تُناسب ما يجري في المجتمع المتقدم والمتطور، فيختارون السكوت ويتحولون إلى وضع اللامبالاة فيما يجري حولهم والأهالي آخر من يعلم أين كان الولد ولماذا يعود في ساعة متأخرة، لا يسألون الولد أين كان وماذا فَعَل وما هو الصحيح المطلوب منه.
هذا الأمر وهذه الأجواء تحولت إلى المدرسة التي كانت فيما مضى بيتًا للتربية الحقيقية إلى جانب الأهل فأصبحت بدون أولياء أمور وانكمش المعلم فيها إلى درجة لا يجرؤ على مواجهة الولد وإيقاف السلوك الشاذ الذي يقوم به، لا بل صاروا يخافون الأولاد ويحذرون من ظاهرة اعتداء الولد على المعلم لا بل يخافون إذا قاموا بما يلزم من تصحيح السلوك المعوج ان يكونوا عنوانًا للشرطة التي توقفهم وتحاسبهم. وفي حالات شائعة يشتكي فيها الآباء المعلمين فصار شعار المعلم "أمشي الحيط الحيط وقول يا رب السترة". باختصار المدرسة أصبحت بدون آباء والمعلم فقد صفة المربي في نفسه، فصارت المدارس بلا مُربين، وصار الآباء آباء بالاسم لا يحركون ساكنا وعمّت الفوضى المجتمع وصار الولد هو الحاكم بأمره فيشبُّ على هذا المنوال ويتحول إلى إنسان جانح، إنسان عنيف، شعاره استعمال العنف لأنه أقصر الطرق إلى ردع الغير.
صرنا نحن لا نجرؤ عندما نقود سياراتنا ونرى شبابنا يخالفون قواعد السير - صرنا لا نجرؤ أن نتكلم معهم ونوقفهم عند حدهم خوفًا من أن يعترضوا السيارة ويوقفونها ويعتدون علينا.. لا بل صارت أكثر الطرق شيوعًا في الردّ عند الشباب الجانح هو استعمال السلاح وتصويبه للغير، وحينها يحدث القتل والأذى.. الشاب لا يفكر بما سيؤول إليه هذا السلوك من إيقاف الشرطة له والوصول على المحكمة والحكم عليه... إلا أن الشرطة والمحاكم أحيانًا لا تستعمل أحكام الردع القاسية خوفًا من أن يُعتدى عليهم من قبل المحكوم عليه أو من أعوانه الأمر الذي حدث كثيرًا في الاعتداء على الشرطة والاعتداء على الحكام... لكن هذا لا يعني عدم استعمال الشرطة الحزم من أجل الردع عن العنف والقضاة لا يطلقون على المتهم أحكامًا رادعة تعلّم غيره ان يبتعد عن العنف وهي حالات لا تحصى فيها لا يقوم الآباء بواجبهم في تربية الولد ولا تقوم الشرطة بواجبها تجاه من يقومون بأعمال عنيفة ولا تقوم المحاكم ولا القانون بإصدار أحكام رادعة ضد كل من يمارس العنف ويعكر صفو الحياة في المجتمع..
لقد تحول مجتمعنا إلى مجتمع صار يخجل من نفسه وصار الخجل فينا يخجل من الخجل وصرنا بلا حول ولا قوة، أمام ظواهر العنف التي انتشرت فينا وصارت تزيد يوما بعد يوم، ويبقى السؤال أما لهذا العنف من آخر؟... في المقال القادم سأتحدث عن طرق مقترحة لعلاج هذه الظاهرة والحدّ منها.
(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

تطويق لقرار اوباما بضربة عسكرية

featured

بير الصفا يدحض قانون النكبة

featured

مصر، تونس وفلسطين

featured

قوننة الأبارتهايد

featured

لقضاء عطلة صيفية مثمرة بالعطاء البناء!

featured

إنتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة

featured

الحاجة إلى ترجمة جديدة في أوراق "المشتركة"

featured

الراحل أكرم سليم برانسي (أبو سليم): المربِّي صاحب المواقف الوطنية والعزّة