أصبح الحديث عن "الجيل الرابع من الحروب" متداولا في وسائل الاعلام المختلفة، وعلى ألسنة كبار الساسة والمختصين. وهو مصطلح لا يعرف معناه الكثيرون، وإن ردّدوه. ومن المفيد ان نكون على معرفة تامة بطبيعة هذا المصطلح. فهذا النوع من الحروب هو ما نشهده على الساحة العربية في اكثر من بلد عربي. وربما يكون وقع هذا الجيل من الحروب اشد ايلاما وفتكا من جميع انواع الحروب السابقة التي كانت غزوات اجنبية، او هيمنة استعمارية، او صراعات اقليمية، او دولية. وكانت تقابلها حروب التحرر الوطني، او الحروب التقليدية بين جيشين او اكثر. وكان الجميع يدفع فاتورة تلك الحروب من خيرة ابنائه على مذبح الاطماع والسيطرة والتوسع ونهب الخيرات وفتح الاسواق. وكان من اهداف تلك الحروب، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، التفرد بزعامة العالم من قبل قوة غاشمة ظنّت ان فرصتها مؤاتية لتكون القطب الاحادي في قيادة العالم، وتسيير اموره، وضرب كل من يرفع رأسه في وجهها. هكذا فعلت الولايات المتحدة حين ارسلت جيوشها، قبل اكثر من عَقد من الزمن، لغزو افغانستان ومن ثم العراق. وكانت الخسائر الامريكية فادحة في هذه الغزوات ماديا وبشريا، وكانت النتيجة فشلا ذريعا في هذه الحروب، مما جعلهم يفكرون، ومعهم الغرب الاستعماري، باستنباط نوع آخر من الحرب لا يستدعي إرسال جيوشهم للقتال المباشر، ويتركون هذه المهمة لمن يقوم بهذا الدور بالوكالة.
هذا النوع من الحروب هو ما تتعرض له المنطقة العربية في السنوات الاربع الاخيرة، ومنذ ما سموه بـ"الربيع العربي". وهو تفجير الاوضاع من الداخل تحت مسمَّيات عدة، لا يخجلون من ربط ذلك بحقوق الانسان والحريات والديمقراطية، مع ان هذه مصطلحات جيدة وذات قبول لدى المقهورين من الظلم والفساد والاستبداد، ومع ان هناك فارقا كبيرا بين الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وبين تمزيق الاوطان وتخريبها والانقضاض عليها. فاية حرية هذه بعد ان يتحول البلد الى انقاض واطلال وحروب اهلية تعصف بأهله؟! وهل الخلاص يقوم بمعول الهدم، هذا الذي ترعاه امريكا وحلفاؤها وعملاؤها، ام ان الامر يصبّ في مصلحة هؤلاء الطامعين الذين لم يحفظوا عهدا قطعوه على انفسهم، لا في الماضي ولا في الحاضر؟! وكيف لهم ان يحفظوا مثل هذا العهد، وهم في حقيقتهم مصّاصو دماء الشعوب، وناهبو خيراتها، والمصلتة سيوفهم على الرقاب دائما؟!
إن هذا الجيل الرابع من الحروب هو بالضبط ما نشهده الآن في سوريا والعراق ومصر واليمن وليبيا، بعد ان اعدوا العدة وعلى مدار عشرات السنوات للوصول الى ما وصلوا اليه. فالتنظيمات الارهابية، وعلى مختلف مسمياتها، هي من صنع ايديهم كالقاعدة التي انشأوها في افغانستان لمحاربة الاتحاد السوفييتي، وداعش واخواتها التي اقاموها هنا وهناك لتقتل وتدمر وتخرب "باسم الاسلام وانتصارا لأهل السنة"- كما يقولون. فالقائد العسكري الامريكي السابق للقوات الامريكية في اوروبا اعلن مؤخرا "اننا نحن الذين اقمنا داعش لمحاربة حزب الله". وهذا الاعتراف الامريكي الصريح والواضح يجب ان يوقظ كل اولئك الذين لا زالت هناك غشاوة على عقولهم، إن كانوا حقا ينتمون لهذه الامة ولهذه الاوطان، او ما زال عندهم بقايا ضمير. فالحقيقة ساطعة ومن فم العدو ندينه. ولاجل هذه الحرب القذرة فقد جندوا لها ارقى وسائل الاتصال، واكثر ما توصلت اليه التكنولوجيا. وكانت مراكز الابحاث ودوائر الاستخبارات، وبكل ذكائها وقدراتها، تحت تصرف هؤلاء الوكلاء، فجاءت تلك الحرب النفسية والاعلامية القذرة، التي سخّرت لها قنوات الدعاية والتضليل، وخاصة قناة "الجزيرة"، التابعة للكيان القطري اللقيط، احد اخسّ الوكلاء في المنطقة العربية على مر العصور، مستعينة بخدمات "المفكرين" العرب، و"عملاء" المسلمين، ومال الغاز الحرام الذي يصرف بالمليارات خدمة لهذا المشروع الاستعماري الخبيث، متخذين من الشحن الطائفي والمذهبي وسيلة للوصول الى غايتهم النهائية في القضاء على الوجود القوي العربي، وضرب المشروع القومي النهضوي حتى لا تقوم له قائمة.
لقد استعملوا في الماضي وسائلهم القديمة في محاربة المد القومي الناصري، تارة بالعدوان المباشر- كما فعلوا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، او العدوان الاسرائيلي في العام 1967. ومع ان هذا المشروع ضُرب إلا انه لم يمت وبقي قائما، فكان اللجوء الى الجيل الرابع من الحروب للإجهاز على هذا المشروع بأدوات عربية و"اسلامية"، حتى يحققوا حلمهم القديم، لكنهم نسوا ان هذه الامة حيّة ولن تصبح جثة هامدة، فكانت المواجهة الضارية في سوريا، ومن ثم في العراق. وحاولوا اصطياد مصر بعد خلع نظام مبارك الفاسد عن طريق "الاخوان المسلمون" والعثمانيين الجدد في تركيا. لكن مصر العربية هبّت بشعبها وجيشها العظيم وافشلت المخطط، واصبحت جزءا في مواجهة هذا الشر المستطير. وهي تسير اليوم في خطوات واثقة لكسر هذا المخطط، وضربه وهزيمته. ولا تزال المعركة على أشدها. ولا مجال أمام محور المقاومة العربية، وبضمنها مصر العربية، إلا ان تواجه وتنتصر. وحين تكون مصر اليوم، بوزنها وطاقتها البشرية والحضارية والتاريخية والجغرافية، جزءا من مواجهة هذا المد الارهابي التكفيري، وهو اساس الجيل الرابع من الحروب، فان ذلك يعني ان جبهة المواجهة الحقيقية اصبحت تمتد على طول الوطن العربي وعرضه. ويجب ان لا نقع في الاخطاء التي وقع فيها البعض سابقا، فان الانتصارات المتتالية والمتكررة للحوثيين وحلفائهم في اليمن انما تصب في صالح محور المقاومة العربية. فليست المعركة شيعة وسنّة، او ان هؤلاء هم اتباع ايران. ومن قال ان ايران يجب ان ننظر اليها كعدو حتى وان كانت لها مصالح، وكان لها مشروع؟!
إن مشروعنا القوي العربي، ومصالحنا الوطنية والقومية، تتلاقى وتتقاطع مع المصالح والمشروع الايراني للجمهورية الاسلامية في مقاومة الاعداء التاريخيين لأمتنا. فلماذا نصنع من الحليف عدوا، ونجعل الصديق كما العدو؟! عندها نكون اشد الاغبياء، واكثر الاشقياء، ولا نستحق الحياة. انني اثق ان اللقاء المصري السوري قادم، لان هذه هي طبيعة الحياة، وحتمية الوجود العربي الواحد، سواء فهم ذلك بعض الخليجيين ام لم يفهموا. فالسعودية المكابرة لا مجال أمامها الا ان تغير مواقفها وتتصالح مع سوريا وايران، وأمامهم فرصة نادرة ان تقوم بذلك مصر. واذا ارادوا غير ذلك فإنهم سيكونون من الخاسرين تماما، كالتكفيريين والعثمانيين الجدد!
