شدّني الكاتب الصّديق الشّفاعمريّ الياس نصر الله في شهاداته القيّمة التي حملتني على حروف خضراء أحيانًا وحمراء أحيانًا أخرى إلى طفولتي الضّائعة، وإلى شوك المرّار الذي أكلناه في سنوات الحكم العسكريّ، وأعادت إلى ذاكرتي الغنيّة فصولًا من ملحمة البقاء والصّمود التي كتبها بالدّم وبالعرق بنات وأبناء شعبنا العربيّ الفلسطينيّ في هذا الوطن الصّغير الجميل، كما أعادت، مشكورة، أسفارًا ثوريّة التحمت أحداثها بالسّماء، اجترحها رجال ونساء هذا الشّعب الأصيل في وطن الشّتات من الكويت التي دقّ فيها أبو عمّار ورفاقه جدار الخزّان حتّى لندن التي خوزقتنا بوعدها وشرّدتنا ثمّ وجدنا فيها متنفًسًا للحرف العربيّ الذي هرب من سياط الطّغاة وزنازينهم وحبال مشانقهم.
في سرد شائق يمتدّ على سبعمائة صفحة من القطع الكبير يروي الياس نصر الله تسع عشرة شهادة عن طفولته وبلده وانخراطه في العمل السّياسيّ وعالم السّلطة الرّابعة، وعن اختطاف الأستاذ يوسف نصري نصر، رئيس تحرير "الفجر" المقدسيّة، وعن محاكمتي المطران كبوتشي والقائد الشّيوعيّ بشير البرغوثيّ، وعن اغتيال الفنّان ناجي العليّ وعن جائزة إسرائيل التي نالها اميل حبيبي وعن أحمد عثمان وعن الحاج امين الحسينيّ.. وعن.. وعن.. ولا شكّ بأنّ الذين عاصروا هذه الأحداث من أبناء جيلي وعرفوها عن قرب أو عن بعد مهما طال أو قصر سيشعرون بمتعة كبيرة وذائقة طيّبة وسيشكرون الكاتب على هذه الوجبة الفكريّة الدّسمة التي داعبت الذاكرة وأحيت الأرض الموات، وأمّا الأبناء والاحفاد والذين رأوا النّور بعد حدوثها فسيجدون فيها مصدرًا هامًّا للثّقافة وينبوعًا مدرارًا للتّاريخ والمعرفة.
هذا الكتاب "شهادات على القرن الفلسطينيّ الأوّل" ليس سيرة ذاتيّة ولا حكاية شابّ تغرّب أو شيخ مات مجايلوه بل هو كما يكتب الياس نصر الله:
"أنا لست مؤرّخًا.. كتابي هذا خليط من رواية أحداث حقيقيّة وقعت لي ومعي وكنت شاهدًا عليها وأخرى سمعتها من ذوي العلاقة المباشرة بالإضافة إلى جملة أحداث تختزنها ذاكرتي فرويتها بأسلوب التّحقيقات الصّحافيّة نظرًا إلى أهميّتها وإلى اقتناعي التّامّ بأنّني ان لم أروها ضاعت ونُسيت". هذا الكتاب فصول ممتعة عاشها الياس أو شاهدها أو سمعها ودوّنها بأسلوب أدبيّ صحفيّ. هذه شهادات مناضل وطنيّ عاش الأحداث وساهم إلى حدّ ما في صنعها وكشف لنا عمّا لا نعرفه منها.
ولا بدّ لي من أن أقول بأنّني قرأت هذا السّفر الكبير وتمتّعت به واستفدت من المعلومات القيّمة التي كنت اجهلها.
أهلا بك يا عزيز الياس، وسقى الله أيّام "منشورات صلاح الدّين" "اللاز" و"وتريّات ليليّة" و"ما قتلوه وما صلبوه ولكنّ شبّه لهم" و" في الدّين وفي الترّاث " و....... "جمل المحامل"!!
