ثقافة الحوار: عندما نعمل ونطور للشراكة التعددية وتقبل الآخر المختلف

single

يتردّدُ في المجتمعات المعاصرة اليوم القاموس اللغوي الذي يتعلق بالتربية للتعدديّة وتأكيد مبدأ الاحترام المتبادل بين الأفراد والجماعات وبين الشعوب والدول التي تعيش على هذا الكوكب (الأرض). لقد قَصُرَت المسافات والأبعاد التي تفصل بين الناس بسبب تطور التكنولوجيا وآليات التواصل، وهذا أدى إلى الشعور بأننا نعيش في عالم صغير متقارب يستطيع الواحد منا مواكبة ما يجري في أي بقعة على سطح الكرة الأرضية وهو جالس في بيته وان هذه الكرة تحوّلت إلى قرية صغيرة (Global Village)، يستطيع الواحد منا أن يرى ويسمع ويتواصل مع سكانها متى يريد وخلال دقائق معدودة، لذلك وجب ان يوجّه حياةَ المجتمعات اليوم مبدأ احترام الإنسان وحقوقه ومبدأ الحوار الحقيقي بين الثقافات وتقبّل الآخر المختلف من خلال منظومة القيم الإنسانية".
أصبحت ثقافة الحوار اليوم واتباع مبدأ الحوار أساسًا للتعايش في الوطن الواحد وفي العالم الواحد، عنصرًا هامًا في حياتنا، بحيث يكون قوامه المساواة والاحترام والتقدير لهوية الآخر وثقافته من ناحية وتعزيز شعور الانتماء للهوية واللغة التي تخصّ كل فرد من ناحية أخرى. من الأهداف التي يجب وضعها نصب أعيننا في العملية التربوية التي نمارسها في مؤسساتنا التربوية والتعليمية هو ترجمة النظريات التي تتصل بموضوع حياتنا إلى لغة الواقع ولغة العمل وتأكيد أهمية  الحوار بين ثقافات الشعوب من أجل التعايش والتفاهم والمحبّة، من أجل الوصول إلى ترسيخ قيم إنسانية مشتركة في نفوس الأفراد والجماعات، وعلى رأسها قيم تقبل واحترام المختلف بين الأفراد في الدولة الواحدة وفي دول العالم، على أساس قومي وعرقي وديني، مع تعزيز "الأنا" واللغة والهوية والحضارة والدين التي ينتمي إليها الفرد، في المجتمع الواحد وفي الدولة الواحدة، ان توجهًا كهذا عند شعوب العالم من شأنه أن يحل الخلافات الداخلية والخارجية والصراعات في داخل الدولة الواحدة وبين الدول المتنازعة، عن طريق التعايش بين الناس بالرغم من الخلافات الحادة بينهم وحل النزاعات والخلافات بين الأفراد وبين الجماعات عن طريق الحوار الموضوعي بين الأطراف وبالاعتماد على مبدأ المساواة. ان تبنّي شعار التربية للتعددية على اختلاف مناجيها واتخاذ مبدأ الحوار أساسًا في التعامل مع الغير يبقى الطريقة المثلى لحل الخلافات في وجهات النظر وفي المواقف سواء كان الناس مختلفين سياسيًا أو عسكريًا أو فكريًا أو عقائديًا أو اجتماعيًا أو دينيًا، لقد تحول الحوار في العصر الحديث إلى كلمة سحرية يتبعها العالم المتحضر، من أجل حل النزاعات والخلاف بين الأفراد والجماعات. والحوار يؤدي إلى سماع الآخر وتفهّم مواقفه، على الرغم من اختلاف المتحاورين فيما بينهم. لقد تحوّل الحوار إلى طريقة واستراتيجية يلجأ الناس إليها بدلاً من اللجوء إلى العنف الكلامي والعسكري، والذي قد يؤدي إلى مواجهات نتائجها وعواقبها وخيمة على الأطراف المختلفة والمتنازعة. والحوار فيه اعتراف بالآخر وفيه تقبل الآخر، وهذا من شأنه أن يقرّب بين الناس ويؤدي إلى التفاهم بين الأمم والشعوب، وبين الأفراد والجماعات في العالم عامة، وفي الدول وفي المجتمعات التي تعيش في كل دولة وكل منطقة في العالم خاصة. والحوار نتيجة طبيعية للتعددية على أنواعها بين الناس والمجتمعات، الحوار فيه اعتراف بالآخر المختلف على أساس ان المتحاورين متساوون لا غالب ولا مغلوب، ولا قوي ولا ضعيف، ولا فوقي (superior) ولا دوني (interior). الحوار فيه عدالة اجتماعية وعدالة إنسانية. لذلك اختارت المجتمعات المتحضَرة الحوار استراتيجية للتفاهم بين الناس في المجتمع المتعدد الانتماءات والثقافات، وبين جمهور الأكثرية وجمهور الأقليّة في الدولة الواحدة. لقد تحول الحوار إلى الوسيلة التي تنادي بيها دول العالم الحضاري من أجل فضّ النزاعات والخلافات فيما بينها. والدخول في مفاوضات مبنيَّة على مبدأ الحوار يؤدي حتمًا إلى تفادي سفك الدماء وإلى التعايش بين الناس رغم وجود الخلافات، وإلى حل الصراعات بين الشعوب والدول، وهو الدواء الشافي للوضع القائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين عندنا اليوم.
لقد نادت الأديان السماوية باتباع مبدأ الحوار من أجل أن يسود التفاهم وتسود المحبة بين أبناء الدين الواحد ومع أبناء الديانات المختلفة. احتل الحوار في الدين الإسلامي مركزًا هامًا في التقريب بين الناس. فقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكد مبدأ الحوار منها:
"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".  125/16
"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن". 96/29
"وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً" 54/18
"وقولوا للناس حُسنًا" 83/2
"فقال له صاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفرًا" (سورة الكهف 34)
وكذلك جاء على لسان الرسول (صلعم): "الدين النصيحة"
قلنا لمن يا رسول الله؟
قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"
وكان الرسول يحاور اليهود والنصارى دون أن يكرههم في دخول الدين.
ان التربية للحوار جزء من التربية للتعددية، ولن يتعايش الناس إلا بتقبل المختلف لدى الغير واحترامه واتباع مبدأ الحوار في الأمور المختلف عليها، والوصول إلى المشترك الذي يوحدهم والمختلف الذي يميز المجموعة الواحدة عن الأخرى، مع المحافظة على مبدأ الشعور بالمشترك وقبول واحترام المختلف.
وأخيرًا فإن التربية للحوار قد تحولت إلى هدف تعليمي في المؤسسات التربوية وأصبح لزامًا على كليات التربية العمل على غرس هذا الهدف وتذويته في نفوس معلمي المستقبل، على أن يبدأ المعلمون بأنفسهم في سلوكهم التعليمي كل في موضوعه، فلا يترك المعلم مناسبة إلا وأكد فيها أهمية الحوار قولاً وعملاً.

قد يهمّكم أيضا..
featured

إن العيد يوقد مصباحه للبحث عنك

featured

حل سياسي بارادة سورية

featured

لماذا يا هذا لماذا؟

featured

أيلول - هل نحن مستعدون؟

featured

مجزرة شفاعمرو.. ذكرى وعبر

featured

ما زلت أنتظر عودة ساعة جدي

featured

في صحبة هيغل وشوبنهاور

featured

الانتخابات القادمة