تحوّلات التصوف في الإسلام

single

زاوية السيدة المنوبية ابرز المقامات الصوفية في العاصمة التونسية، بعد تعرّضه لاعتداء ارهابي، أواخر 2012

 

*فيما يلي الحلقة الثانية من بحث أوسع للكاتب حول "إشكالية الدين والسياسة"، تنفرد "الاتحاد" بنشره على عدة حلقات، وهو يتناول جانبا من تاريخ التصوّف*

 

 
جاءت طقوس الدروشة مرحلة تردي التصوف الإسلامي. مضى التصوف الإسلامي عبر مرحلتين. انتبه ابن عبد الوهاب إلى مرحلة الحضيض وجهل السمو الصوفي في تجلياته الإشراقية ومعارضة حكم  الطغيان. 
قامت نظرية التصوف في بداياتها على رفض نظرية الحكم الرسمية، واستنكار النظام الاجتماعي القائم على الحرمان والقهر، حيث الانفصال تام ومطلق بين الحكم والجماهير الشعبية.
طاف فرسان الصوفية مع من طاف حول القلعة القروسطية فما نفعت لهم حيلة. كان أولَ المصادر النظرية للتصوف هو ذو النون المصري (245هجري/ 859ميلادي).  ميز هذا الصوفي بين المعرفة الإيمانية والمعرفة الصوفية: فالمعرفة من وجهة نظره تتجلى بثلاثة أوجه: التوحيد الخاصة بالمؤمنين، معرفة الحجة والبيان وهي خاصة بالحكماء والبلغاء والعلماء المخلصين  ثم "المعرفة الخاصة بالوحدانية،  وهي تخص أهل ولاية الله، المخلصين الذين يشاهدون الله بقلوبهم حتى يظهر الحق لهم ما لم يظهر لأحد من العالمين". وهذه النظرة مستمدة من نظرات صوفية طلع بها أبو الحسن الأشعري في القرن الثالث الهجري. ومن هذه النظرة التي تطورت لدى رواد الصوفية تناسلت خرافات الأولياء أهل الشفاعة، والتي شاعت في عصور الانحطاط المملوكية والعثمانية، حيث سيطر الفكر "اللدنِّي" (وهو ما طلع به المشعوذون من نظرات لا تستند إلى فكر سابق أو تبرير عقلي. لم يستند إلى معرفة علمانية او خبرة او كتاب؛ إنما هو إلهام ينزل إلى عقل صاحب الريادة). تلك الخرافات قامت على إنكارها دعوة ابن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي.
أستعرض في هذا المقام أبرز شذرات من النظرات الصوفية التي ظهرت في تلك الحقبة، موجها من يرغب في الاستزادة إلى الجزء الثاني من مؤلف المفكر الراحل الدكتور حسين مروة  "النزعات المادية في الفلسفة العربية – الإسلامية".

 

 

*ظاهر وباطن*

 


يتفرع عن نظرية المعرفة الصوفية ثنائية "الظاهر والباطن". فـ "أولياء الله" يظهر لهم من الباطن ما لا يظهر لأحد من العالمين".  وهذا الفهم يقود بالحتم إلى كون الفهم المتيسر لهم من عين "الجود الإلهي" مباشرة من شأنه أن يمنح معرفتهم تفردا في الرؤيا على نحو لا يتاح لغيرهم. ونظرًا لأنهم عاجزون عن الخروج عن الإطار الديني الشائع، فقد أسندوا تفردهم إلى مفهومي الظاهر والباطن في تأويل النصوص الشرعية: الظاهر يتوجه إلى العامة؛ أما الباطن فهو من شأن الخاصة، أولئك الذين هم الصوفية أنفسهم. وساعدهم في تأويلهم هذا تراث من تأويل يقول بمدلولات ظاهرية وأخرى باطنية لآيات من القرآن  الكريم، مثل "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك.." ( يوسف، آية 6). وبالاستناد إلى هذا التأويل للآية يكون التأويل نوعا من العلم غير المألوف والشائع بين الناس من ثمرات العقل أو الحس أو إدراك ظاهر النصوص.
 كذلك الحلاج، في نظرية الحلول، دمج الناسوت ( الطبيعة الإنسانية) باللاهوت (الطبيعة الإلهية) فظهر على قدر من الارتباك والحَيرة في أمر التوحيد. آمن الصوفية بوجود الحقيقة خارج هذا العالم وخارج مدارك الإنسان وحواسه وحصروا طريق معرفتها بالحدس الغيبي أو "العلم القلبي". و قد انحطت النظرة مع انحطاط المجتمع العربي – الإسلامي في عصور الظلام إلى مقولة "العلم اللدنِّي"، وهو ما لا يقترن بخبرة حياتية ولا بمدركات حسية أو تجريبية عقلانية؛ إنما هو معطى إلهامي بشر به المشعوذون في الأرياف وسيطروا به على العامة، كما أخبرنا الدكتور طه حسين في كتابه "الأيام".
ثم ظهر التصوف الإشراقي، الذي يتضمن مفاهيم ومقولات ومصطلحات لم تكن قد دخلت تصوف القرن الثالت الهجري، أو لم تتحول إلى مفاهيم للتصوف الفلسفي بعد. وهي مفاهيم مثل "النور" و "الإشراق" عرفت في القرن الرابع الهجري. كان المنظم النظري للصوفية الإشراقية هو  السهروردي القتيل، يحيى شهاب الدين السهروردي، لقب بالقتيل بعد مصرعه على يدي سلطة الحكم الأيوبي في حلب سنة 587 هجرية /1191 ميلادية، استجابة لفتوى فقهاء حلب السنيين بتكفيره، وذلك عقب مناقشة معهم في مجلس "السلطان الملك" الظاهر بن صلاح الدين الأيوبي. وكان الفقهاء قد استدرجوه للقول ان الله قادر على أن يرسل نبيا بعد محمد.
 ظهر السهروردي في عصر تميز باشتداد الإرهاب الفكري الذي بدأ في إرهاب دعاة علم الكلام ثم المعتزلة، ثم استفحلت الظاهرة في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر ميلادي) إبان زعامة الغزالي للفكر السني حاملا لواء الدفاع عن الأشعرية.  فلما جاء القرن السادس الهجري (الثاني عشر ميلادي) كانت الأيدي التي تحمل لواء الحرب الفكرية قد تكاثرت في المشرق العربي. كما تميز عصره باندفاعات الغزوات الصليبية وانهيار الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي (567هجري/1171 ميلادي). وكان العباسيون يصارعون للإبقاء على حكمهم الوهمي الذي انهار سنة 655 هجرية / 1257 ميلادية (مروة- ج2- 239). مهّد الإرهاب الفكري لانهيار المقاومة بوجه الفرنجة والمغول؛ ثم أعقبت الانهيارات موجة أشد ضراوة ضد الفكر العقلاني تمثلت في تكفير واسع النطاق لمن سلف من الفلاسفة والعلماء والفقهاء.

 

 

*حقبة انتفاضات*

 


 تمثلت الحقبة بالانتفاضات الاحتجاجية على الظلم الاجتماعي منذ القرن الثالث الهجري، وانفجرت حركات تمرد واحتجاج مسلحة حملت مبادئ ومطالب تأثرت بها النظرات الفلسفية، خاصة الصوفية. جاءت وحدات السلسلة الإشراقية المتعددة صورة طوباوية للعالم كما حلم به المفكرون الثوريون  بالنسبة لذلك العصر. وهي الصورة الأكثر ثورانية لتحدي السلطات الأشد ظلامية وجورا. وبناء على ذلك يكون النور والظلام في الفلسفة الإشراقية يمثلان صورة تجريدية لعاملين متقابلين: أحدهما عالم الإشراق الروحاني، أو عالم الحلم الطوباوي، والآخر عالم الواقع الاجتماعي الملموس، عالم القهر والجور. النور والظلام رمزان في حقيقة الأمر: السعادة في عالم إشراقي والظلام رمز الشقاء على الأرض (مروة-266). حملت هذه الثورية شهادة قصورها وعجزها. إنها ثورية ولدت ميتة. لكنها تبقى حاملة الانتفاض والتمرد وشهادة على الواقع الاجتماعي الميئوس منه في تاريخ الصراع الاجتماعي داخل المجتمع العربي –الإسلامي على الايديولوجيا الرسمية التي لم يستطع الفكر العقلاني ان ينتفض عليها ويتمرد إلا جزئيا وبطريقة ملتوية شديدة الحذر؛ لأنه بقي مشدودا إلى الدين بعدد من الخيوط الخفية والظاهرة. غير ان ذلك لم يدفع عنه أذى الإرهاب والاضطهاد من فقهاء الاستبداد.
مثّل محيي الدين بن عربي (أبو بكر محمد بن عربي الطائي) من قبيلة طيء العربية (560-638هجري/ 1164-1240 ميلادي) فلسفة الصوفية التوحدية؛ فقد طور الولاية إلى الاتحاد مع الله. هو من مواليد الأندلس وعاش فيها نحو 38 سنة ثم سافر إلى المشرق وتوفي في دمشق. ترددت فكرة "وحدة الوجود" باحتراس في الفكر الصوفي السابق، حيث لم تتبلور من قبل في الصيغة الفلسفية التي انتهى إليها ابن عربي، هذا الصوفي الذي زامن ابن رشد والتقى به وافترق عنه، رأى وحدة الوجود وأن الله هو الوجود الحقيقي والعالم مرآة يتجلى فيها الوجود الإلهي. والاتحاد يتحقق حين يتصل الإنسان بالله حدا يتلاشى فيه الازدواج بين المحب والمحبوب؛ إذ يصبحان شيئا واحدا في الجوهر والفعل.
كتب أهم مؤلفاته الصوفية وتشرح فكرة وحدة الوجود. من أهم مؤلفاته "الفتوحات المكية" و"فصوص الحكم". تضمن الكتاب الأول فصلا مهما عن لقائه مع ابن رشد في قرطبة.. احتدمت المواجهة في ذلك العصر بين اتجاهين في الفكر العربي- العقلاني والحدسي الصوفي الذي اعتبر الرؤيا الغيبية أساس المعرفة عند ابن عربي مقابل النزعة العقلانية المنقاة من كل حدس صوفي عند ابن رشد.  رأت فكرة "وحدة الوجود" الصوفية عند ابن عربي أن هناك عالما غير العالم الواقعي المادي قد يكون عالم الأرواح أو عالم الأنوار الإشراقية؛ وتطورت النظرة المثالية إلى أن وصلت عالم الفكرة المطلقة عند هيغل في القرن التاسع عشر.

 

 

*أشواق الخلاص اليائسة*

 


يعالج ابن عربي  تحت مفهوم التوحد  مأزق الصوفيين الإسلاميين في الإطار الصوفي: جانب الإنسان الكامل هو الجانب الإلهي الصرف من الوجود الإنساني، أو هو الجانب الإنساني الوجودي من الله. الإنسان الكامل يعني الأنبياء. أما الجانب المعرفي في مقولة الإنسان الكامل فهو التمكن من إدراك إنسانيته "الباطنة" (مروة - 269). 
وفكرة الخلاص بمفهومها المسيحي ثم الصوفي هي في الأساس صدى لأشواق الجماهير المسحوقة إلى التخلص من أنماط الظلم الاجتماعي. وتجلت أشواق الخلاص اليائسة في الفلسفة الإشراقية: النور مبدأ وجود العالم يفيض من الوجود الأعلى هابطا درجة إلى النهاية السفلى. كل درجة من الفيض هي وجود نوراني وكلما انحدر درجة انخفض مستوى النور؛ فإذا وصل عالم الإنسان (درجة الجرمية) تضاءل النور حتى الاضمحلال، وتصبح مرتبة الظلمة من الوجود.
في نظر السهروردي لا وجود لثنائية النور والظلام كما قالت الزرداشتية. فالاتجاه العام لهذا الصوفي يرى المعرفة قائمة على الإشراق الغيبي بلا أثر للحس او العقل. حتى العين لا تبصر الإشراق إلا من خلال الإشراق الروحي. تتدرج معرفة وجود الله عبر مدارج خمس لا وساطة فيها لأنبياء، حيث يحدث التوحد بالمطلق في الدرجة الخامسة، مقام الفحول من الأنبياء والحكماء.
كان لا بد أن يتدهور الفكر الصوفي وينحط مع اطراد التدهور في المجتمعات العربية. حملت الانعكاسات صور اليأس من تغيير الواقع المشحون بأنواع الشقاء المادي للكثرة الغالبة من ناس ذلك المجتمع. هذا الأساس لم يستطع أن يجد طريقه للتحول إلى فكر ثوري إيجابي، نظرا لغياب الطبقة الاجتماعية الناهضة مع تطور الحياة الاجتماعية، فتحول إلى ثورية سلبية عدمية ترفض هذا العالم المادي حتى انتهى بعض أشكال من هذه "الثورية" العدمية إلى رفض وجود هذا العالم من حيث الأساس طلبا للخلاص.

 

(يتبع)

 

(كاتب وباحث فلسطيني مقيم في رام الله)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ولا خير في ودِّ امرئ متلوِّن

featured

المماطلة: لعنة أم بركة!

featured

تعديل فاشي على قانون عنصري

featured

انتهاكات وقمع بالسجون الأمريكية

featured

في الذكرى السنوية الأولى لرحيلك يا أبو اسعيد

featured

النزعة الحمائية، أسعار صرف العملة، والحرب

featured

مبروك لنساء شفاعمرو

featured

في الذكرى الأربعين لوفاة طيب الذكر" أنيس زهران "