بعد عدوان حزيران عام 1967 مباشرة قامت حكومة اسرائيل، حكومة الوحدة "القومية" "الوطنية" برئاسة زعيم حزب مباي (حزب عمال ارض اسرائيل) ليفي اشكول وباشتراك حزب الحيروت بزعامة مناحيم بيغن، بضم القدس العربية لاسرائيل. وباعتبارها العاصمة الموحدة الابدية لاسرائيل الخ...
هذه الخطوة الاحتلالية، كانت تعبيرا عن الشهية الاستيطانية، ليس لاحزاب اليمين والمتدينين فحسب بل تجاوبا مع ما يسمى باحزاب اليسار الصهيوني، وايذانا ببدء حملة استيطانية في المناطق المحتلة، سيناء، غزة، الجولان، الضفة الغربية التي رأت فيها هذه الاحزاب، ارض الآباء والاجداد، رأت فيها ارض الميعاد الخ...
في تلك الفترة انتشرت ظاهرة تقديس الجنرالات منهم ديان الذي عين وزيرا للدفاع (للحرب) ويتسحاق رابين قائد اركان الجيش الذي هزم ثلاثة جيوش عربية، الجيش المصري، والسوري والاردني في ستة ايام. وهكذا سميت هذه الحرب العدوانية بحرب الايام الستة.
تحت ضغط القوى اليمينية وبتشجيع من حكومة الوحدة الوطنية التي لم تدم طويلا، بدأت حملة استيطان واسعة بدأت في مدينة خليل الرحمن، وفي سباسطيا وغيرها من الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة.
ورويدا رويدا تقوت واتسعت الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية، في الجولان السوري وفي غزة وفي سيناء المصرية.
بعد الانتخابات البرلمانية 1977 وفوز احزاب اليمين والمتدينين، بقيادة مناحيم بيغن الذي اصبح رئيسا منتخبا لحكومة اسرائيل، اُطلق العنان للاستيطان وضمت هضبة الجولان السورية لاسرائيل، وفرضت الهويات "الزرقاء" الاسرائيلية على اهالي الجولان السوري، الابطال الذين قاوموا هذا الضم، وفرْض الهويات الاسرائيلية، باضراب دام لاشهر طويلة، وفرض خلاله الحرمان على الذين يقبلون بالضم وبالهويات الزرقاء الاسرائيلية.
لقد كانت العمليات الاستيطانية مبرمجة ورسمية، واصبح "غوش امونيم" معترفا به، له ممثلون في السلطة. واصبح الذراع الاستيطانية لحكومة اسرائيل.
بعد عودة حزب العمل بزعامة يتسحاق رابين لرئاسة الحكومة، في تسعينيات القرن الماضي، جرت المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية بشكل سري واحيانا شبه علني، نتج عنها اتفاقيات اوسلو، حيث اعترفت اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات، وعمليا اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بدولة اسرائيل في حدود الرابع من حزيران عام 1967. هذا الاتفاق ادى الى انقسام واضح على الساحة الاسرائيلية بين حزب العمل والاحزاب العمالية "اليسارية الصهيونية" واحزاب اليمين والاحزاب الدينية.
في تلك الفترة سطع نجم الجنرال ارئيل شارون الذي عبر قناة السويس المصرية في حرب اكتوبر 1973 وحاصر القوات المصرية، والذي قاد الحرب على لبنان، التي عرفت بحرب الاربعين كيلو مترا داخل الاراضي اللبنانية، الا انها تواصلت حتى بيروت العاصمة اللبنانية.
هذا الجنرال وجدته لجنة التحقيق الرسمية، لجنة كاهن، متورطا في مجزرة صبرا وشاتيلا الرهيبة والبشعة. وهكذا اضطر للاستقالة من منصب وزير الدفاع في حكومة بيغن في ثمانينيات القرن الماضي.
بعد اتفاقيات اوسلو عاد شارون الى الساحة السياسية بقوة، داعما الاستيطان الكولونيالي خاصة في الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة.
وقد جعر شارون باعلى صوته، مخاطبا غلاة المتطرفين، وقادة المستوطنين، وخاصة الذين سُمّوا بشباب الهضاب، ارمحوا، اسرعوا، استولوا على كل جبل وهضبة في الضفة الغربية. وهكذا قامت بشكل واسع نقاط استيطانية، بؤر استيطانية، سميت فيما بعد "بالعشوائية" او غير القانونية وكأنه يوجد استيطان احتلالي كولونيالي قانوني.
بعد عودة ياسر عرفات ورفاقه الى ارض الوطن، واقامة السلطة الوطنية الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات ومحاولة بسط نفوذها ووجودها، في غزة هاشم وفي الضفة الغربية، اتسعت العمليات الاستيطانية، واقيمت العشرات، وربما المئات من البؤر الاستيطانية خاصة في اعالي الجبال والهضاب الفلسطينية في الضفة الغربية.
وزاد التحريض على حكومة رابين، وعلى رابين "ابو الاستيطان" نفسه وصلت الى درجة اتهامه بالخيانة العظمى، ادت فيما بعد الى اغتياله في اواسط التسعينيات من القرن الماضي.
بعد اغتيال رابين بفترة قصيرة، جرت الانتخابات للبرلمان ولرئاسة الحكومة، فاز فيها بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة، والذي عمل هو وحكومته على افشال اتفاقيات اوسلو وقوّى التطرف اليميني، والاستيطان الكولونيالي، وغذ ّى عمليا التطرف اكثر فاكثر لدى شباب المستوطنين، شباب الهضاب الذين تمردوا "على القيادة" الاستيطانية متهمين اياها "بالاعتدال".
هؤلاء ساكنو الهضاب "والبؤر الاستيطانية" العشوائية" تلقوا الدعم ليس فقط من غلاة الربانيم بل من الجيش الذي حماهم ويحميهم من الدولة التي تشق الطرقات وتقدم الخدمات لهم. هؤلاء تفننوا بالقتل والاعتداء على الفلسطينيين، وعلى اراضيهم وممتلكاتهم امام بصر وسمع سلطة الاحتلال وجيشه وشرطته. لم يكتفوا بذلك، بل بدأوا يطلقون التهديدات للقيادة السياسية المنتخبة، مدعومين بالفتاوى الدينية المتطرفة، ليس ضد العرب فحسب، بل ضد كل من لا يتفق معهم او يعارضهم، او يفكر بارجاع أي شبر من الارض المقدسة ارض الآباء والاجداد الخ...
في هذه الايام كُشف النقاب عن تقرير للشاباك الاسرائيلي. مفاده ان هناك المئات (وربما اكثر) من المستوطنين المتطرفين، خاصة الشباب، الذين هم على استعداد للقيام بعمليات قتل للشخصيات السياسية المنتخبة، بما في ذلك رئيس الحكومة الحالي، الاستيطاني التوسعي بنيامين نتنياهو، الذي ينادي المستوطنين بإخوتي، والذي يعتبرهم طلائعيين يقومون بدور هام لشعب اسرائيل.... لأمن اسرائيل...
التجربة التاريخية اثبتت انه اينما وجد الاحتلال قامت حركات وجماعات احتلالية متطرفة استعملت القتل والعنف والدمار، ليس فقط ضد الشعوب الرازحة تحت الاحتلال. فحسب، بل تكون مستعدة للقيام بالعنف والقتل ضد قيادتها السياسية المحتلة.
لم نكن بحاجة الى تقرير الشاباك اياه، فمنذ الاحتلال 1967 قلنا ان الاحتلال والاستيطان ليس سرطانا في جسد المحثل فحسب، بل ايضا سرطانا في المجتمع الاسرائيلي الاحتلالي.
من يدس حقوق شعب آخر محتل، لن يتورع عن استعمال العنف والقتل ضد خصومه السياسيين والفكريين. فمثلنا الشعبي يقول: من يزرع الريح يحصد العاصفة.
(ام الفحم)
