من يقرأ تاريخ شعبنا الحافِل يستنتِج بأننا نمرّ بمرحلةٍ انتقالية نوعية، تَستَوجِب الحفاظ على الثوابِت غير القابلة للتأتأة. فبعد صمودنا في وجهِ الترحيل ومُحاولات إفراغ البلاد من شعبها الأصلاني – الشعب العربي الفلسطيني – ونِضالنا المَتين والراسِخ لتحقيق رايات السَّلام والعدالة، الذي ما زِلنا نصبو إليهما دونَ أي كَلل ومَلل، دخلنا بمرحلة الحفاظ – المرحلة الثانية - على كُل ما هو طيِّب قد ورثناه. فاليوم النِّضال على الثوابِت ونقاء الحاضِر والمُستقبل، والخيار بين أن نكون جُزءًا يتجزأ من المُجتمع الإسرائيلي – بمعنى الاندماج، وبين أن نكون جُزءًا لا يتجزأ من المُجتمع الإسرائيلي – بمعنى الانصهار.
لا أُشكِك بوطنية أحد، ولن أُشَكِك، وقد نختلف بالتحليل والنهج والطرح المُستقبلي. ولكن، علينا اختيار رؤيةً واضحة النَّهج والعَمل والتخطيط. وليس من يعتَمِد الضبابية بالمواقف. والعِتاب، كُل العِتاب، على كُل من يُحاوِل إقصاء الجبهة و " تصفية حساباتهِ " في هذه المرحلة الحَرِجة التي يُواجهها شعبنا، مرحلة النِّضال على وجه شعبنا وثوابتهِ.
*حَول المسار القضائي، لا بُدّ من موقِف*
الحَيِّز الديمقراطي العام في الناصرة كاد يتآكل على أثر انتخابات السُّلطات المحلية الأخيرة. حيثُ حاوَل من حاوَل توتير أجواء المدينة وكُل ما هو طَيِّب فيها، لخدمة مصالح شخصية وحزبية ضيِّقة. فالديمقراطية لا تَقتصِر على "حق الاقتراع" فقط، وإنَّما تُترجَم كمَنح حَيِّز عام مُطلق يشمل العَديد من المجالات، وأبرزها حُرية التعبير. إضافةً إلى ذلك، مفهومٌ ضِمنًا أنَّ المَسَار القضائي هو جُزء لا يتجزأ من الديناميكية الديمقراطية. بمعنى، أنَّ للديمقراطية أُسُسا ومفاهيم واضحة، تتجزأ بين الثابِت والمُتغَيِّر. والمسَار القانوني، على اقل تقدير، هو احد المفاهيم الأساس لإظهار إرادة الناخِب عندَ شعور أي مُتنافِس في الحَيِّز الديمقراطي العام بالظُلم أو بعدَم مِصداقية النتائِج.
* من منهُم بلا خطيئة فليرجمْنا بحَجر*
تكاتفت كُل الأحزاب وشِبه الأحزاب في انتخابات بلدية الناصرة الأخيرة بحجة التغيير بعد "حُكم مُستَبِد" دامَ أربعة عقود. اعتقِد، بل اجزِم، أنَّ الجبهة وعلى مَدار قيادتها لبلدية الناصرة وقعت بكثير من الأخطاء التي كان من المُمكن تفاديها. ولكن هذه الأخطاء مُحَصّلَة عَمل دؤوب ومُثابرة مُرصَّعة بالعزمِ والعَزيمة، بُغية رفع مكانة الناصرة وكُل ما هو طيِّب فيها. فالمُعادلة واضحة، من يعمل يخطئ ومن لا يعمل لا يخطئ. إضافةً إلى كُل من يدَّعي التغيير موقِفًا وأسلوبًا مُتَحجِّجًا "بهفوات" الجبهة، عليهِ أن يُفرِّق بين الخطأ والخطيئة. فالجبهة ترتَكِب الأخطاء، من مُنطلق الاجتهاد بالعَمل، وليس الخطايا. ومن مِنهُم بلا خطيئة، فليرجُمنا بحَجَر.
* العَودة بخُفَّي "حنين"*
أُرَجّح ان يكون التجمع الخاسِر الأكبر في الناصرة، وذلك نتيجة مواقفهِ "المُبعثرة" التي تكلّلها التأتأة الواضحة. إضافةً، إلى انهُ خَسِر الانتخابات بإحدى الأوراق التجمعُية القيادية الرابحة قُطريًا. فالتجمع انتهَج سياسة "مِش مُهِم مين يِربَح، المُهِم مين يِخسَر"، وذلك أملًا بإسقاط رامز جرايسي بأي ثَمن. الكثير من الكوادِر التجمعية رفضت هذهِ الرؤيا، مما أدَّى إلى استنفار سياسي عند بعضهم. ونتيجةً لذلك، سيدعمون رامز جرايسي لرئاسة البلدية.
على التجمع مُراجعة ومُحاسبة الذَّات، وذلك من مُنطلق النتيجة المُخَيّبَة للآمال والتوقعات في انتخابات البلدية، ومن اجلِ الحفاظ على هذا التنظيم الوطني التقدُّمي. كُلنا توقعنا خسارة التجمع وعودة مُرشحتهِ لخدمة شعبنا من الكنيست، ولكن ليس بخفي حنين.
* الانتصار والتغيير ليسا قيمة مُطلقة*
الانتصار كالتغيير، ليس قيمة مُطلقة. بمعنى، أنَّ نتائج الانتصار والتغيير ليست ايجابية حَتمِية. وهذا ما باتَ واضحًا في الناصرة. ونحنُ على خُطى الانتصار، ليس انتِصار الجبهة كتنظيم فقط، وإنِّما انتِصار الإصرار وعدم الرضوخ وثبات المَوقِف. وقد لم يتَوقَع مُطالبو التغيير الموضوعيون أن تكون كوارِث التغيير بهذا الحَجم. فالتحالُفات المُبرمَجة مُسبقًا وتداعيات التغيير، تفاقَمت بالأشهر الأخيرة وما رافقتها من أحداث. فوز رامز جرايسي بالسُّلطة، ليس من اجلِ السُّلطة، وإنمَّا من اجلِ الاستمرار بالاستثمار بالإنسان والحفاظ على متانة نسيجنا الاجتماعي المُتماسِك، غير القابِل للزحزحة.
* أسئلة مشروعة*
ما هي تداعيات أزمة انتخابات بلدية النَّاصرة على المنظومة التربَويَّة والمُجتمعية في المدينة؟ وما هي حَيثِيات ما يحدُث من تأثير نَفسي على عموم أهل المدينة، وخاصةً الأطفال والشباب منهُم؟ في ظِل المَدّ والجَزْرِ القضائي – الذي كان.
وهل ستُبلوَر رؤيا تعتَمِد الموضوعية والمهنية التَربَويَّة والنَّفسية – الاجتماعية، بغضّ النّظر عمّن سيُكلَّف برئاسة البلدية، بُغية انتِشال أطفال المدينة من إفرازات الانتخابات، وما أنتجتهُ من تراكُمات فئوية وعدائية؟
في طرح الأسئلة، اعتمدتُ، بقَدرِ الُمستطاع، تقمُّص رؤية جمهور " عدم الانحياز " الذي يَلوح بحيادية اللا موقف.
وانا المُنحاز تنظيميًا وفكريًا للجبهة، اقول، مع رامز البَلد بخير.
وللأسئلةِ بقية..
*بين الاعتزاز والاستعلاء، شعرة معاوية*
تُستغَل المنابِر المُختلفة، وخاصةً الإعلامية المُنحازة، لتأجيج وتَرويج بهلوانِيات دعائية انتخابية تهدف إلى ضرب الجبهة وتاريخها المُشرِّف. وبالمُقابِل، كوادر الحزب والجبهة قد وصلت إلى نَشوة الاعتزاز بهذا الدَرب الوطني الصَّافي، الذي صانَ الناصرة وشعبنا كُله. ولكنْ، بعض من هذه الكوادِر فقدت شعرة مُعاوية، حيثُ نشوة الاعتزاز تفاقمت وتطورت إلى الاستعلاء. الأمر الذي اضرَّ بالجبهة، ولربُما أبعدها عن الشرائح المُهمَّشة البسيطة التي لا تفقه لغة "الأكاديمية"، وإنِّما همَّها الوحيد هو ضمان لُقمة العَيش (وهذا حق أساس مشروع، ويتعزز أكثر في ظِلّ تفاقُم سياسة التمييز الاقتصادي واستفحال وَرم الرأسمالية). لذلِك، علينا الحفاظ على شعرة مُعاوية لكي لا يُهلل ويُطبِّل كُل من يُريد اصطياد الجبهة في المياه العَكِرة.
* الحركة الاسلامية الشمالية*
غزلٌ سياسي مكشوف، ترَفّع عن المبادئ والرؤيا، التي نختلف معهم أصلًا كجبهة. حيثُ إنَّ الحَركة الإسلامية الشمالية – المُقاطعة لانتخابات السُّلطات المحلية والبَرلمان – تدعم وبشكل عَلني السَّيد علي سلام. المُشكلة ليست دعم مُرشح دون الآخر، وإنَّما محو أسمى المبادئ والثَوابِت (نسبةً إلى الحركة الإسلامية – الشَّق الشمالي) كمُحاولة لإسقاط شخص رامز والجبهة كتنظيم. ان فُقدان بوصلة مصداقية الطرح، تبدأ بالتنازُل عن ثوابِت الفِكر والمَوقِف. وللإسلامية الشمالية، الحق في دعم أي مُرشح، ولكن بالمُقابل لنا الحق، كشعب يُناضِل من اجلِ السَّلام، أن نُخاطَب بمواقِف ثابتة في الناصرة وسائِر مُدننا وقُرانا.
* بين التنظيم وسياسة الأنا*
الطموح هو حجر الزاوية في سيرورة نجاح أي إنسان. ولكن، على الطموح – الغاية - أن لا يُبرِّر الوسيلة. فالناصرة عليها أن تكون في مُقدِمة النِّضال الفلسطيني المشروع في هذه البلاد، طلبًا لنَيل العدالة التامَّة والسَّلام العادِل والشامل. لذلك، هذه المدينة البوصلة تحتاج إلى تنظيم وطني لقيادتها، مُرَكب من هيئات وأبرزها المُراقبة لضمان نهج تقِي المَوقِف والمبدأ بالمجالات كافة.
* لا بُدّ من كلمة*
الديمقراطية لا تقتَصِر على صناديق الاقتراع فقط، وإنِّما أيضًا بتمثيل المُنتَخِبين، مُنتَخبينا وكُل أهل المدينة، بصورةٍ موضوعية ومهنية آيًّا كان مَوقِعنا. ولأن التَراجُع "في الأعداد والنِسَب" ليسَ نهاية المَطاف، وإنِّما قد يكون البوصلة لإعادة الروح ولترتيب الأوراق الداخلية، والاستعداد للانطلاقة الجديدة والمُتَجددة. ليبقى هذا المَشروع "مشروع الحزب والجبهة"، المشروع الوَطني واليَساري والتقدُّمي، حجر الزاوية غير المُرتَبط بارتفاع او بهبوط الدولار او بأسعار براميل النفط العالمية مِنها او الخليجية.
خُلاصة الكَلام مع رامز البَلد بخير.
(الكاتب عضو جبهة الناصرة وطالب لقب ثانٍ بجامعة حيفا)
