ما الذي دفع البعض لاستغراب تمنيات محمد بديع المرشد العام لحركة الإخوان المسلمين التي عبر فيها ومن خلالها عن مواقفه وتقييمه أن "السلطة الفلسطينية توشك أن تلتقط أنفاسها الأخيرة على طاولة المفاوضات المباشرة".
الموقف التقليدي لحركة الإخوان المسلمين هو العداء لمنظمة التحرير الفلسطينية، منذ أن تشكلت عام 1964، لأنهم اعتبروها إحدى أدوات عبد الناصر، فهو الذي دعا إلى تشكيلها لإبراز الهوية الفلسطينية وكي يتحمل الفلسطينيون مباشرة مسؤولية قضيتهم، ووفر القرار العربي لولادتها وعمل على دعمها، ولذلك ناصبها الإخوان المسلمون العداء المسبق انعكاساً لعدائهم لعبد الناصر.
وبعد عام 1967، وبعد النكسة وردود الفعل الشعبية والحزبية، لظهور وتنامي ظاهرة الكفاح المسلح والفصائل الفلسطينية وخاصة من قبل التيارين اليساري (الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والشيوعيون) والقومي (حزبا البعث والناصريون) وانخراطهم في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية وانحيازهم لظاهرة الكفاح الشعبي المسلح ودخولهم مؤسسات منظمة التحرير، ازداد عداء حركة الإخوان المسلمين لمنظمة التحرير الفلسطينية، خاصة وأن الإخوان المسلمين لم ينخرطوا في الكفاح المسلح ولم يؤيدوه واتخذوا موقفاً سلبياً منه بل وكانوا متطرفين جداً حين اعتبروا أن شهداءه يموتون "فطايس" ولا صلة لهم بالشهادة المرغوبة، إسلامياً ودينياً.
ولما تشكلت حركة حماس في وقت متأخر عام 1988، كفرع لحركة الإخوان المسلمين في فلسطين، واتخذت موقفاً سلبياً ورافضاً وعدائياً لمنظمة التحرير، انعكاساً لسياسات ومواقف الإخوان المسلمين التقليدية، وطرحت نفسها بديلاً للمنظمة، اتخذ الإخوان المسلمون موقفاً مماثلاً واعتبروا "حماس" هي ممثلة الجهاد الفلسطيني، وهي عنوان النضال ولا عنوان آخر قبله ولن يكون بعده، وعندما شاركت حركة حماس في الانتخابات التشريعية ونالت الأغلبية البرلمانية وقامت بانقلابها العسكري على السلطة والشرعية، تعمق موقف الإخوان المسلمين من الانحياز لحركة حماس وغدت هي عنوان فلسطين، وعملوا بكل الوسائل كي يطمسوا دور المنظمة والسلطة وإظهار "حماس" على أنها الشرعية معتمدين في ذلك على ثلاثة عوامل :
أولها: نتائج الانقلاب وتفرد حركة حماس بالسيطرة والهيمنة على قطاع غزة.
وثانيهما : الاتكاء على فصائل حركة الإخوان المسلمين، وقوتها كأكبر وأهم حركة سياسية عربية عابرة للحدود للعمل على المس بمكانة المنظمة وسلطتها الوطنية وإبراز شرعية "حماس" ودورها الجهادي .
وثالثها : الاعتماد على الأطراف العربية التي لا ترغب في تحمل مسؤولية دعم وإسناد الشعب العربي الفلسطيني، والتهرب من التزاماتها القومية تحت حجة الانقسام وعبثية المفاوضات وغيرها من العناوين، فوفرت "حماس" لهم الغطاء من التهرب من التزاماتهم مثلما وفروا لـ "حماس" الندية في التعامل مع منظمة التحرير وكأن هناك طرفين متخاصمين، المنظمة و"حماس"، وليس هناك شرعية وانقلاب على هذه الشرعية.
حصيلة هذه السياسات، وهذه الوقائع هي خلاصة سياسة حركة الإخوان المسلمين البراغماتية الانقلابية، ودعمها لـ "حماس" وانقلابها، مثلما سبق لحركة الإخوان المسلمين أن مارست الاغتيالات في العهد الملكي المصري، وتحالفت مع عبد الناصر عبر حركة الضباط الأحرار لتنفيذ الانقلاب "ثورة يوليو" عام 1952، وانقلبت عليه وحاولت اغتياله بعد أن اتهمته بخيانتها وخطف الانقلاب وتجييره لمصلحة التيار القومي وتحالفه مع التيار اليساري.
وكما فعلت ذلك مع الرئيس الراحل حافظ الأسد، حين تحالفت معه وأيدت الحركة التصحيحية عام 1970، وأعلنت الكفاح المسلح لتطهير سورية من البعثيين بعد ذلك، مثلما تعاونت مع الأميركيين لإسقاط نظام حزب البعث في العراق والرئيس الراحل صدام حسين، وهي اليوم جزء من النظام العراقي الذي استلم الحكم من الاحتلال الأميركي.
في الحصيلة فإن حركة الإخوان المسلمين، حركة سياسية قوية، لها باع طويل في العمل السياسي والانقلابي والبرلماني، بهدف الوصول إلى السلطة كما حصل معهم في غزة حيث يقودونها منذ قرار الحسم حتى يومنا هذا منفردين رافضين مبدأ الشراكة مع القوى السياسية الأخرى حتى تلك التي تشاركهم المعارضة للسلطة الوطنية الفلسطينية، فالتصفية هي أداة وعنوان التعامل الحمساوي مع الشركاء، حيث القتل والاستئصال، ولا شراكة في النظام خصوصاً من الاتجاهات التي تدين بالأصولية وتنتمي لها، وتشاركهم بها.
محمد بديع وكافة فروع حركة الإخوان المسلمين في أعماقهم أمنية ولديهم "غيظ" كامن لصمود "فتح" ومنظمة التحرير والائتلاف السياسي العريض الذي يقود المنظمة وسلطتها الوطنية، فالعداء لمحمد دحلان لم يعد مجدياً، والعداء للرئيس محمود عباس فشل، واستثمار الانقلاب لفرض سياسات حمساوية على مصر تبدد وعاد عليهم بالسوء والعزلة والسياسة الأردنية صلبة في رفضها استقبال أي من رموز الانقلاب، وحتى خالد مشعل حينما زار الأردن لأسباب إنسانية لوفاة والده، وحولوا العزاء إلى أداة وعنوان سياسي طلبت منه الحكومة الأردنية المغادرة قبل أن تستكمل واجبات العزاء وتنتهي أيامه الثلاثة التقليدية.
غيظ محمد بديع له ما يبرره، فرهانهم خاسر والسياسة الحكيمة التي يقودها الرئيس محمود عباس وتنفذها حكومته، حكومة سلام فياض الائتلافية الوطنية، صمدت في وجه الضغوط والإغراءات، متمسكة بحقوق شعبها الثابتة غير القابلة للتبديد أو النكوص، بنفس المعيار الذي فشل فيه الانقلاب الحمساوي من تحقيق أغراضه رغم الضخ المالي من إيران وقطر وفصائل حركة الإخوان المسلمين، وغطائهم السياسي له، فماذا يفعل محمد بديع غير تنبؤات الفشل وأمنيات التلاشي لمنظمة التحرير وسلطتها الوطنية.
