عندما يصير العدوّ إنسانا

single

قرأتُ بل التهمتُ في جلسة واحدة السّيرة الذّاتيّة للشّاعر يفغيني يفتوشينكو أحد أهمّ شعراء روسيا ومن ألمع شعراء العالم المعاصرين فوجدت فيها إنسانًا ثوريًّا فنّانًا شاعرًا وطنيًّا تطيعه الكلماتُ الجميلة المعبّرة فتنساب من سنان قلمه مثل ماء الصّفا أو النّبيذ المعتّق في دير قصيّ.
سيرة الشّاعر (186صفحة) هي قصائده أمّا ما عدا ذلك فليس سوى تعليق، هكذا يكتب، ويعترف بأنّه لا يحقّ للشّاعر أن يخادع لأنّ الشّعر امرأة حقود لا تغفر الكذب ولا ترضى حتّى بنصف الحقيقة. وكيف يخادع يفتوشينكو والشّاعر الرّوسيّ كان قبل الثّورة وما بعدها قائدًا روحيًّا؟!
لم يختر يفغيني الدّرب السّهل الأثير لدى شعراء الغرب في كتابة قصائده باختيار قصيدة النّثر لانّ هؤلاء الشّعراء في نظره كانوا يقتلون إحدى أثمن مزايا الشّعر وهي موسيقاه.
قالت له أمّه في صغره: "لن يعود عليك الشّعرُ أبدًا لا بحياة هادئة ولا بمال" فردّ عليها: "أكره الحياة الهادئة بالقوّة نفسها التي امقت بها المال لانّ المال كان دائما وسيظلّ سلاحًا لعينًا للعبوديّة".
عاش يفتوشينكو سنوات الحرب العالميّة الثّانية وعانى من الجوع والبرد وموبقات الحرب القذرة مثل أبناء وبنات شعبه البطل الذين قاتلوا وصمدوا وكسروا عنق الوحش النّازيّ، ويكتب "إذا كنت مدينًا للحرب بشيء فلأنّها علّمتني معنى كلمة السّلم".
وعلى الرّغم من أنّه ولد في عائلة "كانت الثورة دينها". وعلى الرّغم من اعتقاده بأنّ "الشّيوعّية والنّزاهة كلمتان مترادفتان" وأنّ "الماركسيّ الحقيقيّ هو الذي يتعلّم  باستمرار" ألا أنّه لم ينتسب إلى الحزب الشّيوعيّ بل تعرّض إلى حملات من بعض قادته وردّ عليهم بقصيدة شهيرة عنوانها "اعتبروني شيوعيّا" إلا أنّ الرّئيس نيكيتا خروتشوف أشاد به في خطاب رسميّ بمناسبة 8 آذار (1963) قائلا: "يجب أن نفي الرّفيق يفتوشينكو حقّه من التّكريم".
يرى يفتوشينكو أنّ الواقعيّة هي الشّكل الأرقى في الفنّ إلا أنّ الواقعيّة لها مئات إن لم نقل آلاف الأشكال. ويرى إنّ اللغة مثل الثلج ولكنّ الثّلج في المدينة يتلوّث دائما بالغبار ودخان المصانع وأمّا في الحقول وفي الغابة فيظلّ أبيض ناصعا.
وقف الشّاعر مع أمّه مثل آلاف المواطنين على رصيف شارع في موسكو في العام 1944 بعد أن وضعت الحرب العالميّة الثّانية أوزارها، ليرى طابور الأسرى الألمان المؤلّف من خمسة وعشرين ألف أسير يمّرون في شوارع العاصمة يحرسهم الجنود السّوفييت. وكان هنالك حشد من النّساء الرّوسيّات ولعلّ الألمان ِأخذوا من كلّ واحدة منهنّ زوجها أو أباها أو ابنها أو أخاها.
وكان الأسرى يسيرون بأجساد هزيلة وملابس مغبرّة وذقون غير حليقة ويتوكّأ بعضهم على أكتاف رفاقهم مطأطئي الرّؤوس. وتقدّمت سيّدة روسيّة جليلة مسنّة وربتت على كتف أحد أفراد المليشيا: "دعني أمرّ!" واقتربت من طابور الأسرى وأخرجت كسرة خبز من سترتها كانت تلفّها بمنديل (الخبز ثمين جدّا في زمن الحرب) وقدّمتها لأسير ألمانيّ منهك القوى، وعندئذ بدأت النّساء يلقين الخبز والسّجائر إلى الجنود الألمان.
لقد أصبحوا الآن بشرًا ولم يعودوا أعداء.
ماذا تقول قصّة نساء موسكو لأبناء عمومتنا الذين يدافعون عن الجنديّ الذي أطلق الرّصاص على الفلسطينيّ الجريح في ساحة مدينة الخليل المحتلّة؟
ونحن، معاذ الله أن نكون مثل الجنود الألمان وأمّا رعاع اليمين لا يشبهون نساء موسكو!

قد يهمّكم أيضا..
featured

التنافس في كسب اليمين

featured

إندثار ما تعلّمناه

featured

لمواجهة قانون فاشي عنصري، معاد للعرب وللدمقراطية!!

featured

على هامش مؤتمر سخنين لمناهضة التجنيد

featured

الترانزستور .. والعبور.!

featured

جمال عبد الناصر في الذاكرة العربية والفلسطينية

featured

السّلطتان الفلسطينيّتان

featured

الحزب الشيوعي، تاريخ ناصع ونضالات بطولية فوق كل الشبهات