منذ بداية الصراع الصهيوني الفلسطيني على ارض فلسطين عرف الطرف الصهيوني ان وجود الشيوعيين عقبة أمام تنفيذ مخططهم ، اقامة وطن قومي لليهود وعرفوا ايضا ان وجود قيادات عربية متخاذلة كفيل بتحقيق هذا الحلم.
في مقابل ذلك، عرف الشيوعيون ان الطريق هو الدفاع عن الجماهير الشعبية والعمل على رفع مستواها العلمي والثقافي والسياسي . لان الشعب الواعي المثقف العارف بمكنونات الامور قادر على رسم الطريق الصحيح لتحقيق المكاسب والدفاع عن حقوقه ومصالحه، وهذه الثقافة تقود الجماهير الشعبية الى رفع مستواها الكفاحي والنضالي في طريق التحرر . منذ مطلع الصراع عرفت القيادة الصهيونية ان عدوها الاول هو الوعي والذي يقوده الشيوعيون اليهود والعرب الذين يعملون لصالح الجماهير الشعبية واستقلال البلاد من الحكم العثماني اولا والانتداب البريطاني واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة لصالح سكانها ومواطنيها. هذا الامر افزع القيادة الصهيونية التي تسعى بكل الوسائل لمحاربة هذا الفكر وفي نفس الوقت افزع الرجعية العربية التي همها الوحيد وهدفها الوحيد هو الحفاظ على سلطتها . وهذا الامر يتضح تماما في تعاون قادة الحركة الصهيونية مع العثمانيين اولا الذين حكموا البلاد وفيما بعد الانتداب البريطاني الذي سهل اللقاءات بين رئيس الحركة الصهيونية حاييم وايزمن والشريف حسين حاكم الجزيرة العربية وولي عهده الامير فيصل ، ( ص159 كتاب حاييم وايزمن التجربة والخطأ). يتضح هذا التعاون في التحضير لحفل وضع حجر الاساس للجامعة العبرية حزيران وتموز سنة 1918، مع الشريف حسين حاكم الجزيرة العربية آنذاك وولي عهده الامير فيصل بواسطة اقطاب الانتداب البريطاني (كتاب التجربة والخطا ، كتاب اميل توما جذور القضية الفلسطينية وكتاب عيسى السفري ، وعمل الانتداب البريطاني على تسهيل اللقاءات والاتفاقيات الصهيونية مع القيادة العربية في مجمل الدول العربية وعلى رأسها حكام مصر (ص266). ويؤكد ذلك تأثير حاييم وايزمن على سياسات الدول العالمية واستغلال علاقاته مع هذه القيادات لدعم الحق اليهودي في اقامة وطن قومي لليهود في الوقت الذي لم يبد الحكام العرب اي تعاطف مع الحق الفلسطيني بل بالعكس دعموا الموقف الصهيوني . ننطلق من هنا لتفنيد اقوال الدكتور عادل مناع..
أ- يقول (حيث كان الشيوعيون كان التهجير سنة 48 اقل او معدوما بسبب العلاقة بين الشيوعيين والحركة الصهيونية!.).. على المؤرخ قبل ان يقرر صحة المعلومة التي ينقلها يجب ان يستوفي شروط العمل الصحيح لتوثيق معلوماته ويعتمد في ذلك على المصادر التي تؤكد هذه المعلومة، واقواها المصدر الاول اي رواية الناس الذين عاشوا تلك الفترة التاريخية وثانيها ، وهو الاقل اهمية وصدقا ، المقربون للامر اي الذين ينقلون الرواية التاريخية من اناس مقربين لهم او سمعوا عنهم. وهذا يحتاج الى مطابقة لكل الروايات حتي تصل الى الرواية الاقرب الى الصدق. واما ثالثها فهي الروايات التي يتناقلها اناس اعتمدوا على ما سمعوه او قرأوه. لذلك من هنا نستطيع القول كان عليه اولا وقبل كل شيء، وقبل فوات الاوان (اي الوقت الذي ما زال فيه ناس عاشوا فترة التهجير)، ليلتقي بهم ويسمع منهم لماذا لم يهاجروا. ولكنه للاسف الشديد اعتمد على رواية السلطة الصهيونية فقط والمقصود منها تشويه نضال الشعب الفلسطيني لتبقى صورة الفلسطيني انسانا عدوانيا ارهابيا، وتشويه سمعة القيادة الوطنية المخلصة من قيادة عصبة التحرر والحزب الشيوعي العرب واليهود، فهو اختار اسهل الطرق ولم يكلف نفسه عناء البحث والتدقيق. ولو قام بالاتصال مع الناس الذين عاشوا فترة الهجرة ورفضوا الهجرة لعرف الحقيقة وهي فعلا حيث تواجد الشيوعيون كانت الهجرة اقل واحيانا معدومة، وذلك ليس لان الصهيونية تعاونت مع الشيوعيين بل لان الشيوعيين نزلوا الى الشوارع ومنعوا تحرك الشاحنات التي تنقل الناس الى سوريا ولبنان والاردن ووقفوا بشجاعة امام تلك الحافلات لمنعها من التحرك وساهموا في اقناع الناس بالبقاء في وطنهم في الناصرة وغيرها من القرى العربية في الجليل.. امثال خالدي الذكر.. سهيل نصار، صليبا خميس ، فؤاد خوري ،سهيل نصار ، اوديت نمر ، غسان حبيب ، وطويلة العمر سميرة خوري ، وغيرهم من النشيطين والنشيطات الوطنيين والوطنيات شيوعيين وغير شيوعيين.
وفي حيفا العديد من الرفاق الذين وقفوا ضد الترحيل وعلى رأسهم توفيق طوبي الذي قام باسم الحزب بكتابة المنشور وتوزيعه على الناس وحثهم على البقاء في الوطن يتحدون بذلك الملاحقة والمطاردة من عصابات الحركة الصهيونية وبطش واصدار اوامر حكم الاعدام من الحكومة الفلسطينية آنذاك . ولتفنيد ادعاءاته حول تعاون الحركة الصهيونية مع الحركة الشيوعية العالمية ، ومن ضمنها عصبة التحرر وشيوعيو فلسطين يهودا وعربا ، اورد ما تم نشره في كتاب التجربة والخطا حيث ان لحق الضرر بالحركة الصهيونية بعد ثورة اكتوبر سنة 1917 حيث توقف الدعم المالي ايام القيصر الروسي (حاييم وايزمن صفحة 163).
اما الفرية الثانية وهي تحرير الجليل من جيش الانقاذ وتسليمه للحركة الصهيونية! نكرر السؤال ما هي مهمة جيش الانقاذ ومن يقف وراءه؟ هذا الجيش لم يكن جيشا موحدا وانما كان فرقا عسكرية تعمل كل فرقة وحدها ومناقضة للاخرى، حيث تتلقى اوامرها من الحكومات المفروضة على كل بلد، سوريا، العراق، السعودية، الاردن ومصر. وكل فرقة تمثل السياسة الرسمية للبلد الذي اتت منه والتي تتعاون علنا مع الانتداب البريطاني والفرنسي والحركة الصهيونية التي وقف على رأسها حاييم وايزمن.
وفي نهاية الامر تم تشكيل جيش الانقاذ وتوحيد الفرق بقيادة الامير عبد الله ، فيما بعد سنة 1948 ملك الاردن! وكل الروايات التي تناقلها سكان القرى المهجرة والذين رووها و المعروف بمواقفه وتعاونه مع الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية وفيما بعد ما سمعنا من الذين عاشوا تلك الفترة وكانوا فاعلين فيها ، ان وصول فرق ما يسمى جيش الانقاذ كانت تأتي ضمن الاتفاقيات السرية بين قيادات الدول العربية مع اولياء امورهم في لندن ، ويتم تهجير اهلها بحجج واهية قبل دخول قوات الهاجاناه الصهيونية الى القرى العربية، وهناك وضوح تام لهذا الامر، تؤكده الروايات المتكررة لمن عاشوا تلك الفترة وما زالت كلمة (ماكو اوامر) تمثل صورة حية لهذا الامر، وهذه الكلمة التي صدرت عن قائد القوات المشتركة (لجيش الانقاذ) سنة 1948 القائد العسكري فوزي القاوقجي الذي قاد الفرقة في معارك جنين واستمر في حربه حتى الوصول الى مشارف العفولة ، وهناك توقف القتال وعاد مع فرقته تاركا المنطقة من الجلمة حتى مشارف العفولة وهو يقول لجنوده المذهولين (ماكو اوامر) اي ما يعني ان الاوامر التي تلقاها هي التوقف عن القتال وليس هناك اوامر للاستمرار بالحرب بل عليه التراجع لان الامدادات توقفت والقرار الحاسم هو العودة الى حدود جنين. اي ان الامر يدل دلالة واضحة على تعاون قيادة الفرق العربية التي توحدت مؤخرا تحت قيادة الامير عبد الله ( فيما بعد ملك الاردن).
اما الفرية الثالثة وهي ان توفيق طوبي يطلب الهوية الاسرائيلية للعرب. لقد رأى الشيوعيون في اواخر الاربعينات (1947) ان الحل المقبول في تلك الفترة هو "دولتان لشعبين" وذلك بعد ان احتد الصراع اليهودي العربي واصبح العداء من كلا الطرفين هو سيد الموقف. وهو ما سعت له كل الوقت الحركة الصهيونية والرجعية العربية بترتيب وتعاون مع الانتداب البريطاني الذي ساهم بكل وضوح في تأجيج الصراع الطائفي والديني والقومي روايات متعددة. (كتاب اميل توما القضية الفلسطينية . كتاب حاييم وايزمن التجربة والخطأ). حيث كانت القوات العسكرية البريطانية الحاكمة في البلاد تتجاهل الصراع والاعتداءات المسلحة واحيانا كثيرة تبدأ بالتحضير لها والعمل على اشعال نار الفتنة. لذلك رأى الشيوعيون اليهود والعرب وقيادة عصبة التحرر والوطنيون الفلسطينيون انه لم يعد بالامكان ضمان تعايش في دولة ديمقراطية واحدة ومن الافضل الموافقة على قرار التقسيم الذي يضمن للشعب الفلسطيني جزء من وطنه فهو خير من ضياع الوطن بأكمله لان تداعيات الامور على ما هي عليه تشير الى ذلك . لذلك كان من الصواب القبول بدولة فلسطينية ودولة اسرائيل. فما كان أمام الشيوعيين والوطنيين والذين وقف على رأسهم توفيق طوبي الا ان يطالب بالمساواة للعرب الذين بقوا في وطنهم في حدود دولة اسرائيل. وعلى رأس هذه المطالب، الحصول على الهوية، وخوض المعركة السياسية والقانونية للحصول على هذه الهوية التي تثبت بقاء هذا الانسان مواطنا على ارضه وبلده (والذي لا وطن له سواه) وهذه المعركة القانونية التي قادها المناضل الشيوعي خالد الذكر المحامي حنا نقارة (ابو طوني) والذي خلدت اعماله الاهازيج الشعبية ( حنا نقارة جاب الهوية) وفيما بعد حيث قاد المعركة القانونية لاثبات ملكية العرب لارضهم في حدود دولة اسرائيل وحمل اللقب عن جدارة (محامي الارض). كل ذلك يفند اقوال عادل مناع الذي استقى معلوماته فقط من مصادر المخابرات الصهيونية ومن مصادر الجيش الاسرائيلي التي لا هم لها الا تشويه صورة الشيوعيين اليهود والعرب وخاصة الشيوعيين والوطنيين العرب. وكل ذلك يندرج ضمن اطار المخطط الصهيوني الذي عمل بادئ ذي بدء على طرد الفلسطينيين من ارضهم وبلادهم. وعندما بقيت هذه الاقلية التي تعادل 150 الف عربي في البلاد حاولت القيادة الصهيونية الى تدجينها وجعلها فرقا وحمائل وقبائل وطوائف تقوم على خدمة السيد فقط من منطلق مصطلح (الاغيار) اي وجود السيد اليهودي من ناحية، والاغيار (مسلمون ومسيحيون ، بدو ودروز) وغيرها من اسماء تطلقها عليهم ليقوموا على خدمة الدولة في العمل الاسود الذي لا يقبل اليهودي القيام به.
انا لا اتهم عادل مناع ولكن اتساءل لماذا اكتفى فقط باستقاء المعلومات من مصدر واحد وهو ذو مصلحة في ايصال معلومة كاذبة وخاطئة ومزورة. لان حكومات اسرائيل المتعاقبة مستمرة في نهج الصهيونية منذ نشأتها في محاربة الشيوعيين لانها ترى في نضال الشيوعيين العرب واليهود على حد سواء يشكل خطرا حقيقيا على تنفيذ مخططاتها ويقفون عقبة امام مكائدهم وتمرير سياستهم المعادية اولا وقبل كل شيء للجماهير العربية وفيما بعد القوى التقدمية اليهودية التي ترى ضرورة النضال المشترك اليهودي العربي ضد الرأسمالية المحلية والعالمية التي تشكل العدو الرئيسي لكلا شعبي البلاد.وان الحركة الصهيونية عرفت كل الوقت انه فقط بابعاد الشيوعيين يمكن تحقيق اهدافهم ومطامعهم. لان الشيوعيين عربا ويهودا عملوا على توعية الجماهير الشعبية وتحذيرها من مخاطر المخطط الصهيوني العدائي لكلا الشعببن. وكلما اشتد ساعد الشيوعيين وزاد التفاف الجماهير الشعبية حولهم تسعى السلطة لتفريق الناس عنهم. وعندما فشلوا خلال السنوات الكثيرة في إضعاف قوة الشيوعيين والتغلب على قوتهم وصلابتهم وفشلت كل سياسة القمع والمطاردة من فصل من العمل الى محاربتهم اجتماعيا وثقافيا ، لجأت السلطة مؤخرا الى وسائل ظنت انها حديثة ومؤثرة. (هناك وثيقة سلطوية تؤكد على ان طريقة محاربة الشيوعيين اليوم عن طريق استغلال الاعلام والصاق تهم باطلة الى قياداتهم ونشرها وترويجها). وكلما زاد تأثير الشيوعيين اعادت السلطة الكرة بالترويج لبضاعة رخيصة وتبحث عن اي وسيط ينقل هذه البضاعة الرخيصة، وعلى عادل مناع وكل من يحاول المس بسمعة المناضلين والوطنيين ان يمتنع عن القيام بهذا الدور الرخيص .. لان توفيق طوبي ونضاله وتاريخه الناصع الذي لا تشوبه شائبة ولن تلوثه كل الوسائل الرخيصة فهو لا يحتاج لمن يدافع عنه وعن رفاق دربه الذين خطوا التاريخ المشرف الناصع ودافعوا بكل قوة عن اصالة الموقف الوطني الاممي الذي اثبت عبقرية هؤلاء الناس وخلود ذكراهم على المدى. لان الشيوعية اقوى من الموت واعلى من اعواد المشانق (الرفيق فهد قبل تنفيذ حكم الاعدام ، العراق) ولان الشيوعية سنديانة جذورها تضرب عميقا في الارض واغصانها وارفة الظلال تطال عنان السماء. تدافع عن الحق وتسعى لتطبيق العدالة والمساواة مهما غلا الثمن ، واستوجب الامر تقديم التضحيات الجسام.
(يافة الناصرة)
