لأن الفلسطينيين ورئيسهم يعرفون معنى القتل والخراب والحرمان من الحق في الحياة والكرامة، لأنهم كذلك، يرفضون ما يتعرضون له من عمليات إبادة تدريجية متعاقبة تستهدفهم كبشر وشعب وأرض، منذ ما قبل نكبتهم العام 1948، واحتلال ما تبقى من وطنهم العام 1967، وسلسلة طويلة لـم تنته بعد من الـمذابح والـمواجع والحرمان في كل مدينة وقرية تعرضت للاحتلال والأذى والاغتيال.
لأنهم كذلك، يرفض الفلسطينيون القتل والعنف لأنفسهم ولغيرهم، لأن ثقافة الفلسطيني، أساسها العيش الـمشترك والشراكة، ففلسطين لـم تكن في أي يوم من الأيام لدين وحده، أو لفئة على حساب غيرها، بل كانت فلسطين أرض الـمقدسات، أرض الديانات وموطن الرسل والأنبياء، لليهود كما للـمسيحيين مثلـما هي للـمسلـمين، فالاحترام والتبجيل لكنائس:
القيامة في القدس، والـمهد في بيت لحم، والبشارة في الناصرة، كما هما للـمسجد الأقصى وقبة الصخرة ومسجد عمر وإبراهيم الخليل، مثلـما هما لقبر راحيل وسيدنا يوسف، ولأي أثر يتبع لليهود أو الـمسيحيين أو الـمسلـمين، لا نفرق بين أحد منهم.
هذه ثقافة الفلسطيني، وهي التي تسكن وعيه وهي التي تتحكم بضميره، ولكن الاستعمار وحملاته ومخططاته هي التي حاولت استغلال الـمسيحية في القرون الوسطى مثلـما تحاول الصهيونية استغلال اليهود واليهودية لاقتلاع الشعب العربي الفلسطيني الـمسلـم والـمسيحي من أرضه وتبديد وجوده، وحل الـمشكلة الفلسطينية خارج أرض فلسطين، وفق ما يعرضه الجنرال عوزي أراد مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الحالي والجنرال غيورا أيلاند مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق.
في زيارته إلى اليابان اختار الرئيس محمود عباس، أن يبدأ زيارته الرسمية من هيروشيما، عنوان الـموت والإبادة للشعب الياباني، فكان اختياره موضع دهشة اليابانيين واحترامهم، فهي الزيارة الأولى لرئيس أجنبي يختار أن تكون هيروشيما هي عنوان زيارته وبوابتها، فحظي أبو مازن بما يليق به، وبشعبه وقضيته، من تقدير ومكانة يستحقهما، وهو يزور اليابان للـمرة الثانية كرئيس منتخب، وثالث مرة في حياته، كانت الأولى برفقة الراحل ياسر عرفات العام 1980، وكانت حدثاً بارزاً في ذلك الوقت، خاصة أنها ترافقت مع اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات في احتفالات أكتوبر، ومع استشهاد ماجد أبو شرار في أثينا، ومع ذلك ولأن تلك الزيارة كانت حدثاً ونقلة نوعية في مكانة منظمة التحرير، فقد تواصلت خياراتها ووقائعها مسجلة اختراقاً فلسطينياً لدول اقتصادية كبرى مثل اليابان، ومن الـمعروف أن تلك الزيارة الأولى والـمبكرة كان قد أعد لها ورتبها وزير النفط الإماراتي مانع سعيد العتيبي طيب الذكر.
أبو مازن كان في اليابان وفي هيروشيما، ليقول للعالـم: نرفض الـموت والاستعمار والعنف، من أي مصدر كان ولأي سبب، فالشعب الفلسطيني تمسك بالحياة والاستقلال معاً وتعلـم من تضحيات الآخرين ويستفيد من دروسهم، لعل فلسطين وأهلها وجيرانهم من الإسرائيليين ينعمون بالأمن والشراكة وحسن الجوار في دولتين متجاورتين، فلسطينوإسرائيل، بعدما تعذر لأحدهما أن يلغي الآخر.
وتأكيداً من رئيس الشعب الفلسطيني على أنه رجل سلام وتعايش وشراكة، ويرفض الظلـم ويقاومه عن شعبه ولشعبه وللآخرين، طلب من سفيره في بولندا مرافقة النائب العربي الفلسطيني في الكنيست محمد بركة رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والـمساواة في زيارة معسكر الإبادة في وارسو، رافضاً الـمذابح التي تعرض لها اليهود على أيدي النازيين، وهو بذلك يسقط أي فحوى عدواني أو عنصري من ثقافة الفلسطيني نحو اليهود، فجزء من اليهود هم من الشعب الفلسطيني قبل النكبة العام 1948 واليهود جزء من العرب في مصر واليمن وسورية والـمغرب والعراق، وبعضهم ما زال يتمتع بالـمواطنة العربية رغم دعوات الصهيونية وتحريضها لترحيلهم من أوطانهم العربية إلى فلسطين.
قرار أبو مازن بعث سفيره في بولندا، مع النائب محمد بركة، تم لأسباب سياسية ومبدئية، وأيضاً كي يضع حداً لـمحاولات الـمزايدة على الـمناضل بركة أبرز النواب الفلسطينيين العرب، وأقواهم في مواجهة الـمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي.
زيارة هيروشيما وزيارة النائب بركة وسفير فلسطين لـمعسكر الإبادة النازية في بولندا، رسالة فلسطينية وعنوان للـموقف والثقافة والوعي الفلسطيني الساكن حتى نخاع العظم في أعماق الشعب الفلسطيني وفي سلوكه الطبيعي التقدمي الإنساني، وهذا هو سبب الاعتزاز الفلسطيني بنفسه، وهو سبب مواصلة طريقه السوي نحو النصر والحرية، نحو الاستقلال والـمساواة في فلسطين والعودة إليها.
