لماذا لم نتقدم في انتخابات الكنيست الـ 19

single

بُعيد الاعلان عن نتائج الانتخابات النهائية للكنيست الـ19 وحصول الجبهة على113610 اصوات، واربعة اعضاء كنيست، تعالت بعض الاصوات وساد الهرج والمرج، واكفهرّت الوجوه. واختلفت وجهات النظر من قائل هذا مقبول في الظروف الموضوعية والذاتية الراهنة ومن قائل هذه نكسة، فاعتصرهم الألم وهزّتهم النتائج من خيبة الامل، في عدم دخول العضو الخامس للكنيست. فهؤلاء الجبهويون عقدوا الآمال الكبار وعوّلوا أولا على وعي الجماهير السياسي والوطني التلقائي. ثم على نشاط كتلة الجبهة المتضافر والدؤوب وفي شتى المجالات، وفي العديد من الساحات، في الحراك الاجتماعي  في تل-ابيب خلال العامين المنصرمين، والمساهمة القصوى والعظيمة في الدفاع ضد هدم القرى البدوية ونخص بالذكر  قرية العراقيب وغيرها من القرى غير المعترف بها. ثم على النشاط المكثّف بين الطلاب الجامعيين والطلاب الثانويين ضد الخدمة المدنية الخطيرة. هذا غيض من فيض من النشاطات والنضالات العديدة في الساحات النضالية الشاسعة والمختلفة.
ومما ذكرته بات حرِيًّا بنا ان نعود على طرح السؤال: "لماذا اذًا لم نتقدم؟"
سؤال يخفي في طياته الكثير من علامات الاستفهام والغموض والالتباس. اجتهدت وعصرت ذهني لاجيب على هذا التساؤل كما ارى من وجهة نظري الشخصية. معتمدا على ما لمسته وشاهدته ليس في الحملة الانتخابية الاخيرة فحسب بل في الحملات الانتخابية الماضية في فروع منطقة البطوف، ومن قرى وبلدات اخرى على طول البلاد وعرضها. حيث تركتْ في نفسي صورة قاتمة لما يجري من حولنا، ونحن لا نعير له النظر ولا نعطيه الاهتمام . فالمسألة من وجهة نظري ليست هيّنة او بسيطة فهي في غاية من التعقيد، وسبر غورها والغوص فيها الى الاعماق والبحث عن الجذور، جذور القضية بات امرا ضروريا، ومن الضرورات الملحة.
واذا ما عدنا الى الماضي القريب والبعيد، وبالتحديد الى عَقدين من الزمن وقبل العمل بقانون الانتخابات المباشرة لرئاسة السلطة المحلية، وفي الحملات الانتخابية العامّة للكنيست، كنّا ندخل البيوت في الاحياء والحواري، والازقّة، ومن شتى العائلات، والحمائل الكبيرة قبل الصغيرة، وكانت تلك البيوت مشرعة أبوابها أمامنا على مصاريعها، نطرقها بلا حرج، وندخلها بلا تكلّف او عناء، ونجرُف منها الاصوات جرفا. ومن ثمراته ان آل لنا المآل في احدى الحملات الانتخابية سنة 1978 ان نحصد 87% من الاصوات. كما حصد الحزب قطريا نسبة 50% من اصوات الجماهير العربية ولاول مرّة ويُسأل السؤال فما الذي حدث؟ ولماذا هذا القُعود وذاك الجمود اذا؟!
وفي محاولتي هذه، وفي هذه العُجالة من التعليق لا بد لي من الوقوف عند النافذة التي تطل على انتخابات السلطات المحلية والمباشرة للسلطة المحلية للرئاسة. فأرى اننا دخلنا في نفق مُعتم استعصى علينا الخروج منه وهنا بدأنا نتعثّر. فاذا ما سلّطنا الضوء على هذا نجد ان المُعضله تكمن هناك. ففي هذا السياق وفي هذه الحالة نرى ان الناخبين شئنا أم أبينا ينقسمون الى شطرين، وفي حالة تستطيع الجبهة ان تقدم مرشحها ليحظى بامكانية التنافس على الرئاسة، نرى ان شطرا من الناس راح يؤيّد مرشح الجبهة، والشطر الآخر ينحاز للمنافس المناهض والمغاير. وفي حال نجاح مرشح الرئاسة، يشعر الشطر الآخر بالنكسة واحيانا بالنكبة لهول الصدمة، التي نالت من احترام العائلة ومؤيديها. لا ننسى ولا يخفى علينا اننا نعيش في مجتمع لا زالت فيه العائلية وتعاطف العائلة عنصرين مهيمنين وسائدين في نسيجنا الاجتماعي واذا ما تكررت حالة الاخفاق مرّة او مرات فيكون التألب العائلي ادهى وأمرّ. ويحاول في كل الفرص والمناسبات الانتخابية الثأر للعائلة. ومع مرور عقدين من الزمن فقد حدث استقطاب ووقعت الواقعة، تجذّر العداء وتعمقت البغضاء والقطيعة، واتّسع الشّرخ ولن يندمل الجرح، والارض التي كانت خصبة لنا باتت يبابًا. وفي حالات كثيرة ادّى هذا الشّرخ او الاستقطاب الى شجار واقتتال، والقائمة طويلة بهذا الصدد.
والسبب الثاني القوائم العربية التي تخوض الحملات الانتخابية للكنيست التي تناصبنا المناكفة، والمماحكة، ان لم يكن العداء، في ممارستها اليومية، وما يتصدر اعلامهم وصفحات جرائدهم وصحفهم من مقالات، وتعليقات، تسيل اقلام كاتبيها بالسُم الزُّعاف، بإلصاق التهم الممجوجة بنا، من فسق، تكفير، وتخوين.. ثم ظاهرة شراء الذّمم التي تفشّت واستفحلت في الانتخابات الاخيرة وكانت واضحة وضوح الشمس، مما يؤثر سلبا على نتائج الانتخابات.
وثالثا: الترهّل في التنظيم الحزبي والضعف الذي بات مرضا، ومنه نشتمّ رائحة الفُتور في العطاء، وفحيح التقاعس في بذل الجهود للعطاء والبخل في التضحية، والجمود في تنظيم الفعاليات وعقد الاجتماعات وخدَر في الحماس. ثم محدوديّة عمل ونشاط الشبيبة الشيوعية والذي كما لمسته يقتصر في كثير من الحالات على الطلاب الثانويين والاعداديات، كما لم تكن شبيبة عاملة وغياب الشبيبة الشيوعية ونضوب معينها كونها كانت دائما الرافد الغزير في توسيع صفوف الحزب. وغيابها مع الحزب عن جيل الـ "20" و الـ" 25 " سنة الذين اصبحوا يُعدّون بالآلاف في كل بلدة ومدينة بعيدين عن السياسة وهمومها، لا يؤمّون نوادينا، ولا يُلبون دعواتنا السياسية او الثقافية، يَرِدون المقاهي ويعكفون على تناول النراجيل او الركض وراء كرة القدم واذا كان الحال هكذا فأين الرافد الذي نصبو اليه لتعزيز قوتنا وتقدمنا؟ الا تكون هذه الشريحة من مجتمعنا لقمة سائغة لاغراءات القوائم الاخرى، او  تتيه في صحراء الفساد؟ ثم أين حصتنا من الاصوات الشابة؟
كان من الافضل للشبيبة الشيوعية، تغليب نشاطها بين الشبيبة العاملة على الطلاب الثانويين الذين سرعان ما نفتقدهم عندما يؤمّون الجامعات ويحدثون فراغا من الصعب تعبئته، وهكذا في كل سنة نفتقد هذه القيادة الشابة، لنبحث عن قيادة جديدة وقد باتت تتكرر هذه الظاهرة وتعمّقت خلال العقدين الاخيرين .
هذه استنتاجاتي المتواضعة للرد على السؤال " لماذا لم نتقدم؟".
فاذا ما سلطنا الضوء على ما ذُكر فنجد ان المعضلة برُمّتها، والعقبة الكأداء هناك.
 وعودة الى ما نشرته صحيفة "الاتحاد" من على صفحاتها في 24/1/2013 عن نتائج الانتخابات القطرية في القرى والمدن والبلدات في مجتمعنا العربي نصل الى صحّة الاستنتاج لنجد انفسنا اننا نقف على حافة الجَّزر بعد المّد الذي عشناه سنوات طويلة. ومن المعطيات تلك اتّضح انه من بين 54 موقعا هناك 10 مواقع فقط فيها زيادة. وهذه الزياده كانت طفيفة. و 44 موقعا فيها تراجع. واذا ما توقفنا هنا فنرى أمامنا الضوء الاحمر الذي يحذرنا وناقوس الخطر يُقرع لنا.

 

(عرابة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"في سبيل الحرِّيَّة"

featured

في أبعَاد إنقلاب فنزويلا الفاشل

featured

الميدالية المزيفة وانتحار مهند

featured

التهاب الفقار المُقسِّط – ANKYLOSING SPONDYLITTIS

featured

صحافتنا المحلية بين الردح والمسؤولية

featured

اعترافات اوروبية..لماذا الآن؟