تاريخ يحترق

single

يوم حزين، يوم كئيب ومظلم مر على قريتنا أمس الأول، يوم لم تستطع فيه القرية ان تحمي اسمها لم تستطع ان تدافع وتحمي وتصون مكان ومكانة شخصية تاريخية فذة ارتبط اسمها باسم القرية وتاريخها، هذا الاعتداء الآثم والقذر والمدان بكل المقاييس هو الثالث من نوعه، عنوان الاعتداء كان مكتوبا على الجدار، وقد فشلنا في قراءته رغم انه مكتوب بخط عربي فصيح وواضح.
ليس الهدف من كلامي اتهام أحد بقدر ما هو محاولة عدم اغفال الموضوع، وكي نكون واضحين مع أهلنا ومع أنفسنا فقد يكون المتهم باحراقه جماعة تدفيع الثمن الصهيونية المتطرفة او أي فكر صهيوني يهدف الى ازالتنا عن الخارطة، وقد سبق وغيروا اسم جبل الديدباء الى جبل عتصمون وغيروا اسم عيون كوكب الى اسم "ينابيع افليم " فهذا ليس غريبا علينا، ولكنه وبنفس القدر والمقدار يمكن ان يكون المعتدون من أصحاب فكر تكفيري إرهابي متطرف لا يمتون للدين الإسلامي بصلة، يرون بالمقام مكانا يجب ازالته، بل يرون بإزالته واجبا دينيا بحت، وبإمكانكم ان تتابعوا تعليقات البعض على حرقه، من على صفحات التواصل لنفهم الحقيقة.اذًا العملية ليست مجرد عمل إرهابي او مجرد اعتداء على مقام لاحد الاولياء الصالحين، انه عمل مبرمج ممنهج ومؤدلج يهدف الى نشر وسيطرة فكر تكفيري واقصائي من كلا الطرفين، والنار ستطالنا جميعا ان لم نضع اصبعنا على الجرح وان لم نعالج الموضوع من الجذور.
من قام بالاعتداء على مقام حضاري تاريخي ديني مقدس، لا يقرب للبشرية وللدين وللإنسانية بصلة، هو انسان موتور ساقط اجتماعيا واخلاقيا ويحمل فكرا تكفيريا لا يمت للإنسانية بصلة، اذ لا فرق بين من قام بهذا العمل الجبان وبين من اعتدى وحطم التراث الحضاري والإنساني والديني في سوريا والعراق، من سوّلت له نفسه ان يحطم وينبش قبر أبي العلاء المعري وأبي تمام وحضارة تدمر وحضارة الرافدين الإسلامية وغير الإسلامية هو نفسه الشخص او الأشخاص الذين يحرقون اليوم ابا الهيجاء بعمل قذر وجبان؟ هم أنفسهم الذين يريدون الغاء الحضارة والتراث. هم أنفسهم من يريدون لنا ان نكون مجرد اشخاص ليس لهم ماض ولا حاضر ولن يكون لهم مستقبل، أناس لا يعرفون ولا يؤمنون الا بالغيبيات.
من لا يعرف حسام الدين أبو الهيجاء، انه احد القادة العظام الذين سطع نجمهم قاتلوا واستشهدوا في الذود عن الوطن والمقدسات والجهاد في سبيل الله، أبو الهيجاء وقف الى جانب صلاح الدين الايوبي في معركته الفاصلة في طرد الفرنجة من عكا ومن منطقة الجليل بكاملها، أبو الهيجاء كان من رجال الأربعين الذين عسكروا في جبل الديدباء ليمنعوا الغزاة من المرور من وادي قانا في طريقهم للالتفاف على قوات صلاح الدين الايوبي الذي كان معسكرا في منطقة العياضية مفرق كفر ياسيف لمنعه من احتلال وارجاع مدينة عكا الاستراتيجية ليد المسلمين، أبو الهيجاء ورجاله من سالت دماؤهم في معركة قاسية جدا عند اسفل الجبل واستشهد هناك، وهو من أعطاه صلاح الدين ان يحكم ويدافع عن كوكب ومنطقتها من الأعداء أيا كانوا.
كيف نقبل على أنفسنا، كيف لا نخجل من أنفسنا عندما تستباح حرمة قبر رجل شجاع ومناضل له تاريخ رجل حمى قريتنا ودافع عنها وارتبط اسمه باسمها، حمى دينه وحضارته من براثن الأعداء ولا نستطيع ان نحميه ونحمي مقامه وذكراه. على السلطة المحلية في قريتنا ان تتحمل مسؤوليتها وتقوم بالتعاقد مع علماء آثار متخصصين في ترميم مثل هذه الأماكن بشكل يليق بهم بعد ما تعرضوا له من اعتداء. على وزارة الأديان ان تتحمل مسؤوليتها وتحول الأموال اللازمة للسلطة المحلية لاعادة ترميم الاضرار وتسييج المقام والتفكير جديا بتوظيف حارس عام للاماكن الاثرية والسياحية والدينية في القرية، فهي جزء من تراثنا وارثنا الحضاري والإنساني، وجزء من كينونتنا الحضارية والوطنية والإنسانية.
كمواطن في كوكب وكعربي فلسطيني وكمسلم أرى من واجبي ومن حقي ان أطالب كل من تعز عليه كوكب الوقوف في وجه هؤلاء الظلاميين. أبو الهيجاء ليس مجرد اسم والمكان ليس مجرد مقام لاحد أولياء الله الصالحين، وانا احذر انه ما زال العنوان مكتوبا على الجدار، الخطر ما زال قائما بتدميره كليا، وأستطيع قراءته، في المرة القادمة سيأتي هؤلاء المجرمون ومعهم عبوة ناسفة ليقوِّضوه من الأساس وانا احذر.
(كوكب أبو الهيجاء)
قد يهمّكم أيضا..
featured

الزيارة الفلسطينية لهيروشيما

featured

لوقف جرائم التعذيب والممارسات السادية !

featured

كرة أطفال كفر صور في شباك الأثرياء العرب

featured

ألمقاطعة شكل من المقاومة

featured

جوليانو: كنت أمميًا، كنت بطلاً!

featured

جدليّة الحياة تحرّم الاجابة بـ "مع أو ضد"

featured

دايفيد هارفي: حروب في مدن أميركا والعالم

featured

الراحل أكرم سليم برانسي (أبو سليم): المربِّي صاحب المواقف الوطنية والعزّة