جوليانو: كنت أمميًا، كنت بطلاً!

single
يا ريتنا ما عرفناه ويا للخسارة على هذا الشاب والذي عرفتينا عليه. هكذا قالوا لي كل الاخوات والرفيقات اللواتي اتصلن بي بعد سماعهن خبر اغتيال المخرج والممثل الشهيد جوليانو خميس، واللواتي كن قد شاركن معي في الرحلة والنشاط الخاص بيوم المرأة العالمي الى جنين ومخيمها قبل اقل من شهر ولحضور مسرحية "أليس في بلاد العجائب".
كنا حوالي ثمانين امرأة عندما وصلنا مدخل المسرح بعد انتهائنا من اللقاء مع اخواتنا المسؤولات في جنين: وبابتسامته الجميلة أخذ يرحب بنا بحرارة. وكم كان مسرورًا لحضورنا. ولا يمكن ان انسى كيف كان مسرورًا عندما اتصلت به لأرتب معه البرنامج ولأسأله اذا كان ممكنًا تقديم عرض لهذه المسرحية، فقال لي بالعكس انا سأكون سعيدًا جدًا وأنه سيقدم هذا العرض بالذات خصوصًا لنا ومعايدة لنا بهذه المناسبة خصيصًا ان فحوى المسرحية يتطرق لحرية المرأة.
ولم يكتف بذلك فقد اخذ يتصل بي بعدها ليؤكد حضورنا في الموعد الذي حددناه. لقد كان العرض مدهشًا بالفعل لنا جميعًا بأداء الممثلين الرائع لهؤلاء الشباب والشابات وبالحرارة التي تمتعوا بها الى جانب الموسيقى والرقص والطيران في الهواء. بحيث جعلنا نشعر وكل المشاهدين بالكم الهائل من الجهد الذي قام به جوليانو ليخرج مثل هذا العمل الضخم. في بلد حرمه الاحتلال منذ 41 سنة وحرم شبابه شاباته وطفاله من تذوق طعم الفن والفرح والحرية. وحرم جماهيره المتعطشة لمثل هذه النشاطات والعيش بحياة طبيعية مثله مثل باقي شعوب العالم المتحررة. ان هؤلاء الاطفال في ازقة وشوارع المخيم المليئه بأكوام الحجارة وبقايا البيوت التي هدمها الاحتلال والمجبولة بدموعهم على اعزائهم اللذين قتلوا. واللذين تنعتهم حكومة الاحتلال بالمخربين. نراهم اليوم يثبتون لكل وسائل الاعلام التي جندها جوليانو والذي اعطاهم من روحه وعطائه وتضحياته كل ما يستطيع لكي يكونوا مثلهم مثل باقي الشباب مبدعين وفنانين. وكم جند لهم من الميزانيات لينتصروا في ثورتهم ثورة الياسمين كما قال لنا، وانه معهم يناضل على جبهتين ولكن بدون سلاح وبدون طيارات (الاباتشي ولا النغماشيم) بل ثورة نجح بها ضد الاحتلال عملوا سويه من اجل التمسك بحقهم من اجل الحرية والاستقلال وقيام دولتهم الى جانب اسرائيل وجبهة ثقافيه من اجل تطوير مجتمعهم وتحرره وكسر كل الحواجز التي تقهم ولتحقيق حلمهم بالتغيير الايجابي للأجيال القادمة. انه بالفعل انسان اراد ان يثبت بعمله الذي لم يكن بالسهل التصدي ولو عن طريق الفن للشرائح التي تعيق التقدم بحسب الدين لا هي ولا قوات الاحتلال التي تريد تيئيس هؤلاء الشباب ولا تريد ان ينجح مثل هذا العمل من شاب مئة بالمئة عربي فلسطيني – ومئة بالمئة يهودي كما قالت ابنته أول أمس لقد اراد ان يثبت للمجتمعين، الاسرائيلي والفلسطيني امكانية التعايش، وما تحيزه للشعب الفلسطيني فلأنه كيهودي كبر وعاش في ظل سياسة التمييز والعنصرية والاحتلال وشاهد مع امه آرنا كيف قتل الجنود الاطفال الذين تبنتهم ورعتهم وحاول اكمال مسيرة امه، خزن الغضب في قلبه ليتفجر نشاطًا وفقط من مثله يهودي ديمقراطي عاش في بيت شيوعي يعرف دوره وكفلسطيني له هويته – وانتمائه عاش ظروف الصراع الطويل العربي الاسرائيلي يستطيع ان يلائم نقسه ويكون حذرًا لكي لا يتهم بالتحيز او بالتطرف الذي تراقبه اجهزة الامن في الطرفين لكي يستطيع الاستمرار في مشروعه الذي خطه لنفسه بدون ان يعتقل او يقتل.. ولكن للأسف آه للعنف وتبًا للمجرمين. انه الجو المشحون الذي سببته سياسة القتل والضغط على الزناد بسهوله في هذه البلاد.
انه بالفعل ابن امه آرنا المناضلة العنيدة مثله، امه التي تتلمذت على يدها هي التي اول ما شاهدته في حياتي الكفاحية. كان هذا في الاول من ايار سنة 1958 في الناصره كنت حينها صبيه صغيره اشارك لأول مره في مظاهره حاولت السلطة منعها بالقوة. عندما وصلا لساحة المعركة المليئة بالحجارة على العين عندما شاهدتها وهي تسير في مقدمة المظاهرة رافعه قبضتها في الهواء وهي تهتف ضد الحكم العسكري ومن اجل ارجاع اللاجئين وكم دهشت عندما رأيت انها حامل في شهرها التاسع. والذي لم يمنعها من المشاركة ولم يمنعها حملها المتقدم من التصدي لقوات البوليس وحرس الحدود هي وباقي الاخوات وكيف اخذ الجنود ينهالون عليها وعلينا بالهراوات وكيف امسكت بيدي وقالت لي اهجمي ما تخافي وبلغتها العربية المكسرة عرفت انها يهودية وانها امرأة شيوعية الشيء الذي زادني قوة خصوصًا عندما استطاعت ان تخطف الهراوة من البوليس الذي ركلها في بطنها وتنهال عليه وهكذا حذوت حذوها عندما حشرونا في ساحة الرفيق يوسف صباغ، اما من هو الطفل الذي كان في بطنها وشارك معنا في المعركة وتلقى الضربات كان جوليانو والذي ولد بعد فتى قصيرة من هذه المعركة وها هو اليوم ليس صدفه يكمل طريق والدته ووالده.
كذلك كيف لي ان انسى جوليانو بعد مذبحة جنين عندما قمنا بالتظاهر في "مركز حوريف" بحيفا عندما كان جوليانو معنا ووجهه يتفجر غضبًا بعد مقتل الاطفال التي رعتهم والدته والذين بقي منهم فقط زكريا زبيدي والذي اصبح من اعز اصحاب جوليانو ومدير مسرحه. كيف صعد على السور المجاور للمظاهرة رافعًا العلم الفلسطيني في قلب حيفا ولم يرد ان ينزل عن السور حتى بعد انتهاء مدة التظاهرة بالرغم من محاولتنا اقناعه صار يرفع العلم اعلى واعلى.. هذا هو جوليانو الذي اغضب من اغتالوه واغتالوا هذا الإنسان الرائع الذي كتب وأخرج قصة امه وأولادها فمن سيكتب قصته وأولاده ؟ وهل سنرى فيلم اولاد جوليانو وهل ستكون ملايا ابنته والتوأم الذي سيولد بعد ايام مثله يكملون مسيرته ويحققون حلمه؟ وهل ستنتصر ثورة الياسمين في ميدان الحرية بجنين ونابلس ورام الله وفي القدس والشيخ جراح وغزه وجباليا ودير البلح؟.. نعم ستنتصر ثورة الياسمين ثورة المضطهدين والفقراء كما انتصرت في مصر وتونس وستنتصر باقي الثورات.
نعم انه بطل وسيخلد اسمه مثل الأبطال الذين سبقوه من المناضلين الذين اغتيلوا مثله امثال ناجي العلي وتشي جيفارا ومارتن لوثر كنج وغيرهم.. وأما المجرمون القتلة فإلى مزبلة التاريخ!
فباسمي وباسم كل الرفيقات والزميلات في حركة النساء الديمقراطيات في منطقة عكا وكل اللواتي تعرفن عليه في رحلتنا، نقدم تعازينا الحارة لعائلته ولطاقم مسرح الحرية ولكل محبيه.
قد يهمّكم أيضا..
featured

دمج السلطات المحلية - الدمج القسري أثبت فشله

featured

في القضية السورية: إطلاق الصوت الثالث بدل الاصطفاف

featured

واشنطن وقبضة فلسطين!

featured

خرافة الاقتصاد الإسلامي

featured

ما يميِّز الشيوعية

featured

توفيق طوبي وفئة المثقفين الأوسع!

featured

نحو عالم بلا أقفاص...

featured

فى أصول الفوضى الراهنة