جاء العنوانان (بفارق شهر واحد) قاطعان، ومتناقضان: واشنطن حجبت الدعم المالي عن السلطة الفلسطينية، ثم: واشنطن رفعت الحجب. سبب الحجب كان التوجّه الفلسطيني الى الأمم المتحدة، ومع أن السبب لم يتغيّر فإن النتيجة الأمريكية المترتّبة عليه انقلبت بفارق 180 درجة.
سوّغت واشنطن حجب الدعم المالي بإصرار السلطة الفلسطينية على خطوة "ستضرّ بالمفاوضات". هذا مع أنه تم التوجّه الى الهيئة الشهيرة بكونها الشمس التي تشعّ شرعيةً دولية؛ تلك التي تستخدمها واشنطن بشكل مطّاطي وفقًا لمصالحها وغطرستها. ولكن في حالة فلسطين تغيب قصص الشرعية كالكسوف.. يصبح طلب الاعتراف من مصدر الشرعية فعلا يستقدم العقاب. ففكرة ألاّ احد فوق الشرعية، لا تشمل واشنطن. وهذا يقول الكثير عن شرعيّة سياساتها طبعًا.
الضغط المالي الأمريكي لم يحقق أهدافه. فالسلطة الفلسطينية أصرّت على مبادرتها، بل تحدّت واشنطن. وهنا لا يمكن كبت المجاهرة بمدى التفاجؤ الإيجابي المنعش من هذه الصلابة التي طالما تُقنا اليها وظننّا أنها ولّت.. لقد تم الإثبات مجددًا أن الولايات المتحدة ليست قدَرًا محتومًا. يمكن تحدّيها حتى لو لم يثمر الأمر من فوره.
التقديرات الحالية تقول إن المبادرة الفلسطينية لن تحقّق هدفها في المدى المنظور. فواشنطن مارست ضغوطًا نجهل كنهها على دول مجلس الأمن، لكننا نعرف أنها "هائلة" كما نقلت صحيفة "الأيام" عن مصادر مطّلعة، أمس. مع ذلك، ففي الطريق تم تحقيق هدف ثانوي ولكن هام في اليونسكو.
واشنطن سوّغت تراجعها عن حجب الدعم بكونه يضرّ بالأمن القومي الأمريكي. لا بل ان مسؤولين أمريكيين كبارًا زعموا ان رفع الحجب جاء بمباركة اسرائيل. وقيل أيضًا إن المبلغ مخصص لرواتب عناصر الأمن فقط. وهذا مع أن عضو الكونغرس المغمورة التي تراجعت عن موقفها (مما أوقف حجب الدعم) قالت إنها لن تمنع "تحويل 50 مليون دولار كمساعدت امنية" للسلطة الوطنية الفلسطينية بالاضافة الى 148 مليون دولار "كمساعدات اخرى".
أمس سألتُ الناطق بلسان الحكومة الفلسطينية د. غسّان الخطيب عن الأمر فقال لـ "الاتحاد" إن المبالغ التي رُفع عنها الحجب مخصصة لغايات مختلفة، أمنية ومدنية، تشكل بمجملها دعمًا للموازنة الفلسطينية. وهي جزء من 600 مليون دولار تشمل دعمًا لمشاريع خارج نطاق الحكومة أيضًا (بينها الأونروا مثلا).
أي أن الرواية الأمريكية عن أنها حوّلت أموالا لدعم الأجهزة الأمنية الفلسطينية فقط، غير صحيحة. مرة اخرى يجري استخدام "الأمن" للتهرّب من الاعتراف بأن الضغط فشل. فواشنطن لا يمكنها الاعتراف بألم حجر داود الصغير وإنْ لم يصبها في مقتل.
ما المغزى من القصة؟ أولا ان تحدّي أمريكا أمر محبّذ بل قد يكون مربحًا أحيانًا. فالسلطة الفلسطينية كسبت معنويًا وظهرت صلبة وجريئة، ولم تخسر ماليًا أيضًا. كذلك، ومهما تشدّقت تل أبيب وواشنطن، فلن يمكنهما إخفاء حقيقة أنه لا يمكنهما إدارة الظهر للقضية الفلسطينية. إنهما في قبضتها. بل عليهما الدفع أيضًا. فإسرائيل أيضًا تراجعت، بصمتٍ وحياء وخفر (ونذالة) عن حجب أموال عائدات الضرائب المستحقة للعمال الفلسطينيين. إن كابوس واشنطن وتل أبيب المشترك هو أن تقول لهما السلطة الوطنيّة: لن نواصل اللعب! ومن يدري، فربما سنحتاج قرارًا كهذا ف المرحلة القادمة. أو كما قال الناطق بلسان الرئاسة الفلسطينية نبيل ابو ردينة قبل أسبوع: إذا ما استمرت اسرائيل في سياستها الاستيطانية واذا ما تواصل عجز اللجنة الرباعية الدولية عن استئناف عملية السلام، فإن السلطة الفلسطينية بصدد اتخاذ قرارات هامة وخطيرة وكبيرة في المرحلة القادمة، من المتوقع أن تغيّر وجه المنطقة والشرق الاوسط بأسره!
