نعلم أن هناك اليوم 253 سلطة محلية في إسرائيل وهذا العدد كبير على دولة يبلغ عدد سكانها حوالي السبعة ملايين نسمة. لكن عدد السلطات المحلية في الدول المتطورة ليس مقرونا بعدد سكانها فقط، وإنما في عوامل أخرى مثل خصوصية المكان. ففي الدنمارك مثلا فيكفي وجود 250 نسمة يعيشون في مكان ما من اجل إقامة سلطة محلية، أما في اليابان فحُدد الرقم بـ 3000 نسمة وفي اسبانيا واليونان بعشرة آلاف نسمة.
وزارة الداخلية لم تتعلم من تجارب الدول الأخرى في هذا الشأن ولم تتعلم أيضا من تجارب الدمج والتي مارستها حتى الآن وخاصة في العام 2003. هناك أبحاث عالمية أثبتت أن دمج وتوحيد سلطات محلية قسرا لم يثبت نفسه. من جهة أخرى يكفي النظر إلى تجارب الدمج الأخيرة في سلطاتنا المحلية العربية والتي أثبتت فشلها لأنها لم تراعي ظروف بلداتنا ولم يشاور مواطني البلدات هذه. إن الدافع سياسي ، وليس غيره، وراء عملية الدمج. هذه المرّة أيضا سيفشل دمج السلطات المحلية العربية لان القرار سياسيٌ ولا يرتكز على معايير علمية صرفة. فالمطروح دائما هو توحيد سلطات محلية عربية ضعيفة ماديا الأمر الذي يضعفها أكثر ويشكل أداءها. هذا التوحيد هو في اتجاه واحد دائما. لماذا لا يتم توحيد سلطات محلية عربية ويهودية معا مثلا الناصرة مع نتسيرت عيليت او سخنين مع المجلس الإقليمي مسغاف.
منذ عملية دمج عارة وعرعرة في سلطة محلية واحدة كان واضحا أن السيطرة على الحيّز وتحديده هو وراء عملية دمج سلطاتنا المحلية العربية. ففي بداية التسعينات من القرن الماضي تم ضم عارة وعرعرة لكن القرار استثنى أراضي عارة الزراعية والتي وضعت تحت سيطرة لواء حيفا.
إن إتمام خرائط هيكلية لبلداتنا العربية أصبح الشغل الشاغل للسلطة المركزية في السنوات الأخيرة. هذه الخرائط لا تلبي حاجات المواطنين العرب وخاصة المستقبلية مها، ولا تتطرق إلى القضية الأساس إلا وهي توسيع مناطق نفوذ قرانا ومدننا العربية. هذه الخرائط ستؤدي ، بصورتها الحالية، إلى عزل وتطويق قرانا وليس تطويرها.
إنّ أي دمج لسلطات المحلية يجب أن يعتمد أساسًا على رغبة السكّان، ويجب أن يراعي الحاجيات الأساسية لتطوير بلداتنا وعلى رأسها العدل ألتوزيعي والمساواة التامة أسوة في باقي السلطات المحلية في البلاد.
هناك ايجابيات كثيرة لتعداد السكان الكبير في سلطة محلية واحدة. فمن ناحية اجتماعية وبشكل عام فهو يُضعف العائلية ويعزز من مكانة الأحزاب والحركات السياسية. كذلك فهو يسهّل من وصول كفاءات علمية ورجال مهنيين حيث يخفّض الضغط الاجتماعي على رئيس السلطة المحلية. كذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار أن تطور المدن والمطالبة الاهتمام بها مركزيا يلاقي آذانا صاغية أكثر من تطوير القرى والبلدات الصغيرة والتي مازالت النظرة إليها على إنها قرى زراعية تقليدية.
والاهم من ذلك هو الحاجة إلى طرح نماذج إدارية أخرى غير الدمج ألقسري مثل إقامة اطر إدارية مناطقية، regions districts، مثل الكثير من الدول المتطورة. هذا الإطار هو إطارٌ وسطيٌ بين السلطة المحلية والسلطة المركزية ويتكون من عدة مدن وقرى عربية ويهودية تتعاون فيما بينها بتقديم خدمات معينة وإقامة مؤسسات واطر وظائفية مثل: كلية، مستشفى، منطقة صناعية وتجارية ويتم تقسيم الأرباح على جميع السلطات المحلية كل حسب حجمها. إن تجربة العمل المشترك بين بلدية الناصرة والمجالس المحلية المجاورة في قري منطقة الناصرة والمشاركة في بعض الوظائف جديرة بالدراسة والتحليل ويبقى الإصلاح الإداري في الدولة وإشراك الجمهور في اتخاذ القرار بشأنه هو حجر الزاوية في أي تطوير في عمل سلطاتنا المحلية.
في العقدين القادمين ستشهد دولة إسرائيل تحولات تخطيطية كبيرة جديدة وخاصة فيما يتعلق بقضية الأرض تمليها عليها الظروف السياسية الجديدة في العالم والمنطقة والتحولات السياسية الاقتصادية والاجتماعية الجارية في داخل الدولة وخاصة الخصخصة ومن المهم أن تكون سلطاتنا المحلية؛ الاقتصاديين العرب وكل مؤسسات وفئات شعبنا جاهزين وشركاء في صنع القرار الصحيح والذي يخدم مصلحة الجماهير العربية في البلاد.
