سطور من كتاب الأرض

single

ربما ستنظر إلي - أيها الولد الذي كنتُه - وأنا أكتب هذا العنوان، وأنت لا تعي جيدا ما لهذه الكلمات من تداعيات في حياتنا وفكرنا وما صارت عليه الأرض من معنى مرادف للوطن. ويكون ظن أنني سأكتب عن يوم الأرض، كما سيظن ممن عرفوني ناشطا في الدفاع عن الأرض في لجنة الدفاع عنها، ومن مؤسسيها وعضوا في السكرتارية، وما كان من اجتماعات شعبية في القرى والمدن للتوعية والتحذير، توضح أهمية الحفاظ على الأرض أمام خطر المصادرات المتعاقبة، تحضيرا ليوم إضراب احتجاجي صار فيما بعد يوما قوميا لكل فلسطيني، هو يوم الأرض. ولا تعي تماما، أيها الولد، وتتساءل متعجبا، من بين شعوب العالم قاطبة، فقط الفلسطينيون لهم يوم للأرض!؟... نعم، صار للأرض يوم في قلب الفلسطيني، يوم قومي كيوم الاستقلال عند الآخرين، وإن كان هو يوم نضال وذكرى لشهداء سقطوا في الثلاثين من آذار سنة 1976 برصاص السلطة الموجه إلى كل عربي يطلب الحياة ويفكر أن يعيش على وجه أرضه، هذه السلطة التي استشرت بعتادها العسكري المدجج بمقولة زعيمها الراحل: نريد الأرض نظيفة من الأغيار!...
  أترك الأسماء، أسماء الشهداء والمناضلين والجماهير الغفيرة الصارخة والتواريخ والاجتماعات والإحصاءات وعدد الدونمات المصادرة والأرض المنهوبة بشتى الأساليب وما تم قبلا وبعد ذلك وما يتم مستقبلا، أترك كل هذا للمؤرخين والصحفيين والأدباء والكتاب أصحاب السجلات والسياسيين، وقد كتبوا الكثير، وسيكتب الكثير... أترك كل هذه التفاصيل ليس إهمالا أو انتقاصا لما فيها من عظيم الأهمية وما فيها من صدق عزيمة وإصرار وعبرة، بل لأعود إلى الأرض وإليك أيها الولد الذي كنته، بما يكتنز في قلبي من حنين، ممتلئا برياح طاقة ديمومة الحياة تعيدها إليّ ذكراك بما كنتُه فيك وما أنا الآن، أهديها للآخرين صغارا مثلك وكبارا مثلي، كسطور في صفحة كتاب الأرض في هذا الوجود... وجودك الذي كان، الذي هو وجودي الآن، هو كلمة مفردة في تراب الأرض، وهي مع جموع كلمات الآخرين حقول قمح وكروم زيتون.
   تفتح عينيك صباحا وأنت مستلق على فرشة الصوف على حصير، وبكسل ابن خمس سنين يصعب عليه النهوض من الفراش، تجول بنظرك في أرجاء البيت الواسع المقنطر على عمدانه الثلاثة، بيت فلاح كل ما فيه من الأرض وإلى الأرض في مهمته يعود. خوابي الزيت عند الجدار خلف خلايا الدقيق والبرغل، قطع من الأخشاب جلها من خشب السنديان، عديدة الأشكال يستعملها الوالد، مذراة، شعوب، معول، مجرفة، مخل، غربال، وكثير غيرها... في ركن آخر ما يشبه المطبخ بما فيه من أدوات نحاسية بعضها أسود من الخارج مما يكسوه من سناج الموقد، خزانة هنا وأخرى هناك هي الحواجز تقطع البيت الواسع إلى ما يشبه الغرف... لا خصوصية في أي مكان، كأن المكان ساحة واحدة مفتوحة على جهاتها للضيوف كقلوب ناسها الطيبين، فلا أبواب سوى باب مدخل البيت الضخم يئن على مرتكزه مع كل حركة. السقف عال تدعمه جذوع أشجار ضخمة وأخرى رفيعة عرضية تظهر بينها طبقات البلان تحمل ما فوقها من تراب. ولدت وتنمو في الأرض مع ترابها في قدميك وكفيك وشعرك وكل صغيرة من جسدك، تعيش وتأكل مما يخرجه الوالد من الأرض والتراب.
   لا تجد الوالد في البيت صباحا، فقد ذهب كعادته إلى الحقل أو مع بقراته يطعمها باكرا في "المضاحي". يحرث كروم الزيتون أو الأرض السهلية للزرع الشتوي أو الصيفي، مع زوج من البقر يشق بعوده الخشبي وجه الأرض خطّا خطّا كأنه يكتب قصيدة الحياة بريشة أثقلها حديدها، ما أجمل منظر صفحة الأرض بعد أن ينتهي رسمها خطوطا متوازية نظيفة من شوائب الأعشاب، يتجدّد أديمها الذي انقلب باطنه إلى ظاهره، يضرب الفلاح الأرض بفأسه أو يشقّها بمحراثه فتنبت الحياة، وهل غير الأرض، الأم الحنون، يعطي ويضحك إذا ضربته وشققت وجهه؟.. وتزداد البهجة في قلب الوالد كغيره من الفلاحين عندما يرى خضرة الزرع تملأ المدى في حقول القمح، أو أشتال البطيخ تحمل حملها كأنها أمواج هادئة في البحر الأخضر...
   تنهض صباحا لتجد الماء جاهزا، الذي جلبته الوالدة بجرّة من الفخّار على رأسها من عين الماء، تغسل وجهك وتشرب كوب الشاي وتأكل خبز "العروس" مع اللبنة أو مربّى المشمش صنع يديها. وبعدها تذهب في لعبتك مع أترابك على الأرض الترابيّة في ساحة البلدة أو على البيدر تقفز على أغمار القش وأكوام التّبن، لتعود عصرا مثقلا بالغبار إلى تأنيب الوالدة على هذه الشقاوة التي تراها في جروح طفيفة على ركبتيك أو ساقيك. لم تفكّر في الحياة كم هي صعبة وأيّ تعب وجهد كان، وكم من العرق سال على الوجوه والأبدان ليكون رغيف الخبز وجرعة الماء. أما أنا الآن أفهم ذلك وأتألّم، أنظر إلى الوراء أرى الوالد كيف كان مثل غيره يقضي نهاره ماشيا مع زوج من الثيران يشق الأرض ليحرث في يومه بعضا من كرم الزيتون، بينما الآن يا عزيزي يمكن فعل هذا في ساعة أو أقل مع الآلة - الجرار... وهذا الإصرار في المضيّ قدما مع هذا التعب المضني يفسّره سرّ طبيعة العلاقة الروحيّة بين الفلاّح وأرضه وتمسّكه بها، فهي ذاته ومنها الحياة. كنت تسمع الوالدة تقول من بين ما تقول من أمثال: "قفّة شروش ولا قفّة قروش"، فتضحك، وهل "قفّة" جذور الزيتون قيمتها أكبر مما يوازيها من نقود!.. حقا هذا قول صار يلمع في ذهننا كالذّهب! "الشروش" هي الجذور التي تربطنا بالأرض، هي جذور صاحبها فيها، أما النقود فهي غبار الوقت تطير مع الريح يصرفها من فضّلها على جذوره، خاصة أولئك الذين لا يقدّرون معنى الجذور وباعوا أرضهم، كأنّهم باعوا جزءا من كيانهم!.. أعادتني الذاكرة إليك، إلى دهشتك في سؤالك هذا عندما مررتُ مع صديق بجانب كرم للزيتون لا أعرف صاحبه، سألته لمن هذا الكرم فأجاب: كان هذا لفلان، باعه منذ سنوات ليشترى سيّارة. مرّ الذي اشترى الكرم صدفة فحيّا وقال ساخرا، نعم اشترى سيّارة جديدة جميلة، أليست السيّارة أفضل!؟... لكنها حديد يصدأ وتصير خردة، أما الزيتون فلا يصدأ ويعيش، وتهرم السنين!... حكمة الزيتون والأرض سمعتها من شاب أكنّ له كل الاحترام عندما أخبرني أنه اشترى أرضا وقال: الذي يبيع الأرض يغنى سنة، والذي يشتري الأرض يفقر سنة... لا حاجة للتذكير بسماسرة الأرض الذين يربحون بعض المال لبعض الوقت ويخسرون ذاتهم كل الوقت...  
   أعرفك تماما، فلم يكن همّك من الأرض حينذاك، ولم يكن لها معنى في ذهنك غير ما تقطفه من ثمرها من تعب غيرك، ولذلك أحببت الذهاب مع الوالد إلى كرم العنب والتين والأرض المزروعة بالخضار والشمّام والبطيخ... وذات يوم اصطحبك معه وراح يحفر في الأرض حفرة وأخرى، وأنت تراقب قوة ضربة فأسه، ثم وهو يخرج التراب بكفه التي بدت كأنها قطعة صخر انفتحت على هيئة رفش. عمل عدة حفر وأنت تلهو بجانبه، أردت أن تساعد بكفّك الصغيرة فلم تفلح، لكنك حاولت وأزحت قبضة من التراب فزلت قدمك وأعادت التراب مع غيره إلى الحفرة! أخرج الوالد التراب الذي سقط من جديد وهو "يثني" عليك: سلمت يداك! ولكن، لماذا الحفر هذه يا والدي؟ قال: اذهب هناك واجلب لي "نصبة" الزيتون إن استطعت. كان الوالد قد قرّر أن يجعل الأرض كرم زيتون. صديق له يعيش في قرية جبلية كان يجلب فسائل الزيتون البرية فهي قويّة، يغرسها الوالد ويسقيها بالماء الذي يجلبه في صفائح على الحمار، وبعد سنة أو أكثر يطعّم الفسائل بالصنف الصوري، وهكذا يا ولد، دون أن تدري كنت شاهدا على الأقل على ولادة هذا الكرم من الزيتون المثمر الآن الذي أعتني به أنا كما كان والدك، والدي، يفعل.
   أنا الطبيب في مهنتي، كيف أصبحت أحب العمل في الأرض وأحافظ عليها؟ هل هي الضرورة لذلك، أم هي الرغبة في الحفاظ على ما نملك، أم هو القرب من الأرض منذ الصغر، أم هي نصائح الأهل وأمثالهم؟.. مضافا، ما صار للأرض من معنى مرادفا للوجود في زمن متقلّب الوجود!... بدون الأرض لقدميك أنت معلّق كريشة في الهواء بينها والسماء...  الأرض وطن!... ربما كل هذا معا، غير شيء أعرفه أن أفضل الأوقات عندي هي قيلولة عند الظهيرة في فيأة زيتونة، أو التجوّل عصرا في المرج مستنشقا هواءه النقي متمتّعا بمرأى القبّرات تقفز وتتطاير على جانبي الطريق، ومرأى الزرع يسبح في خضرته النسيم على مدى النظر، أو السير بين أشجار الزيتون التي أراها مباركة وأفضّلها على كل الأشجار، فهي غنيّة بلونها ومنظرها وظلّها وثمرها... عند الزيتونة تسمع هديل حمامة بريّة بنت عشّها بين غصونها، يمرّ الهواء بين الأغصان فتسمع سيمفونية الهمس مع درجات متفاوتة في شدّة الريح وخفّتها. تستلقي وتنظر إلى السماء من خلال الأغصان فترى المدى الأزرق الرماديّ كأنك ترى بئرا واسعة الأبعاد في عمقها، وجذوع الأشجار حولك ثابتة تحضن الأرض بقوّة قبضتها في عناق أبديّ.       
   ورأيتُ جذع شجرة زيتون، "عمود رومي"، ضخما محروقا تماما، لكن جزءا صغيرا منه بقيت فيه بعض حياة فأنبت أوراقا قلائل جديدة. حزنت للجذع المحروق، لكن استبشرت خيرا بما أنبت من حياة. رسمت الجذع المحروق وأضفت مما يتفاعل في نفسي ومشاعري، وبعد عام قلت، أزور المكان، ذهبت وكانت دهشتي عظيمة مما شاهدته حول الجذع كأنها غابة خضراء صغيرة من الحياة. الزيتونة لا تموت في رعاية وحضن صاحبها، بل بأيدي أعداء الزيتون والحياة .
 
   وأنا وقد تجاوزت السبعين من العمر، ولحبّي لهذه الشجرة وأن يكون لي زيتون من غرسي، دون أن أنتبه إلى المثل، غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون، بل عمليّا قلته وأنا أتمم ما بدأت به قبل سنوات، أغرس شجيرات صغيرات جديدات في نفس الكرم الذي غرسه الوالد، فهناك فجوات كبيرة بين الشجر يجب ملؤها. يا للمفارقة! ذهب ابني حبيب الذي اسمه على اسم الوالد، معي يساعدني، وجاء ابنه – حفيدي سليم معنا يلعب، عمره خمس سنوات كعمرك عندما كنتَ إلى جانب والدك حبيب يحفر الحفر وأنت تلعب. أراد سليم الحفيد أن يساعد أباه حبيب كما فعلت أنت – أنا عندما كنتك أساعد أبي... أنا بينكم الجد والأب والابن والحفيد... وأبي – ابني – حبيب معي، في نفس المكان، وليكن نفس الزمان مجازا في عمر السنين... قال ابني حبيب كلمته مسرورا: التاريخ يعيد نفسه!.. قلت: ويستمر فينا من جيل لجيل. وابني حبيب مخولي، كأبي حبيب مخولي يحب الأرض ويحب العمل فيها، يحرث الزيتون، لكن بواسطة جرار متى انتهى من عمله كمدير عمل في ورشة العمار.  قلت للحفيد سليم، في مثل سنك كنت عندما غرس هذا الزيتون، والآن أنت معنا تغرس هذه الشجيرات الصغيرة، فمن يدري، ربما عندما تصبح جدا لسليم الآتي مستقبلا ستغرس زيتونا أو شجرة زيتون في مكان ما، وليكن ذلك لذكرى آباء وأجداد أحبّوا الأرض وحافظوا عليها... وتستمر الحياة...
 وكنتُ قد كتبت: ها هنا كنا ونبقى/ جذع زيتون نشأنا حوله/ ولنا في ساحنا روميّة/ ضحكت للريح في خضرتها/ أين روما/ أينها يا صاح/ والقيصر مات...
   لماذا كلّما فكرت في كتابة قصيدة باغتتني الأرض حاضرة في عناقها مع السماء، هل الأرض تصعد فينا سماءنا الموعودة، أم السماء تهبط حقيقة صخر لنا في أرضنا المعبودة!؟.. الأرض مرآتنا، والسماء وجهنا، وما بينهما فراغ لا معنى له في عمر السنين التي تسحب الأرض من تحت أقدام أبنائها وتحجب السماء في فضائها عن قلوب العاشقين..  والأرض/ نحن الأرض/ كلما مرّت سنون/ تصير فينا يقظة/ وحربة في جرحنا المسنون/ يهون ما يهون في أعماقها - ولا نهون...
   وقد وعدت الحفيد سليم أن نذهب في "يوم الأرض" لنغرس شجرة زيتون، فليغرس كلّ شجرة مثمرة في أرضه، شجرة زيتون أو ليمون، شجيرة ورد أو زنبقة لمن يحب في حوض داره... فالأرض تصحو على خطوة صاحبها وتحيّينا قبل أن نحيّيها...     

قد يهمّكم أيضا..
featured

درء البلاء مسؤولية وطنية

featured

النازية وصلت للحكم بالانتخابات ومهدّت لجرائمها بسنوات

featured

إلى روح شهداء انتفاضة القدس في الناصرة

featured

خطوة إلى الأمام، خطوة إلى الخلف

featured

الوجه القبيح لحكومة اسرائيل

featured

أطماع غربية في الشام

featured

الاحتلال من أسس العنصرية..