مرّ عامان على رحيل القائد المؤسس توفيق طوبي، في يوم السبت 12.3.2011. وفي ذكراه الثانية سأكتب، خصوصًا، عن انجاز واحد هو صمّمه ووضع أسسه.. ويا له من انجاز!
* * *
بعد النكبة وتشريد الشعب، ومنهم فئة المثقفين، خاصة أثر نكبة المدينة، بقيت في بلادنا فئة دقيقة من المثقفين تنقسم إلى قسمين: أحدها من الذي تعلموا "زمن الانجليز" ويعملون في المؤسسات الرسمية وأبرزها جهاز التعليم، ومعظمهم يمالئون السلطة الحاكمة. والثانية فئة من الكتاب والشعراء التي انتسبت إلى الحزب الشيوعي أو صادقته. ولكنا لا نستطيع المبالغة بعدد المجموعتين...
أميل إلى التسامح مع الفئة الأولى التي انحنت تحت وطأة النكبة والحكم العسكري، وأنا واثق من "الوطنية الصامتة" التي كان يختزلها معظمهم في وجدانه، واضطروا إلى إخفائها؛ ولكن منهم من أساء وتواطأ، ومنهم من نظم القصائد في مدح "إسرائيل" و"الاستقلال" و"نضال الشعب اليهودي من أجل وطنه"- وفق الرواية الصهيونية، ومنهم من جنّدهم "المباي" كـ"مثقفين عرب" في مواجهة مثقفي الحزب الشيوعي (إقرأ كتاب أمنون لين- ما قبل العاصفة) أما المجموعة الثانية فهي من الكتاب والشعراء الشيوعيين والوطنيين، وكفى بالتعريف دلالة..
في تلك الظروف، التي عانى فيها الناس الحكم العسكري ونظام التصاريح، عدم الأمان، سوء الأوضاع الاقتصادية، عدم وجود مدارس ثانوية في الغالبية الساحقة من القرى والمدن، وسياسة منهجية عينية تقبل الطلاب العرب للجامعات بمصفاة ومحاصصة طائفية، وقد أوضح هذه السياسة جهارة مستشار رئيس الحكومة أوري لوبراني: "بقاء العرب حطابين وسقاة ماء يجعل حكمهم أسهل" (هآرتس 4.4.61).
في هذه الظروف وبتنسيق مع قيادة الحزب الشيوعي، عمل توفيق طوبي على إيجاد حلّ للطلاب العرب بتعلمهم بالدول الاشتراكية، صاغ الفكرة وعمل على تجسيدها بانضباطه المعهود حتى اكتست عظمًا ولحما. وفي أكثر من مناسبة كان يقول إن التعلّم في الدول الاشتراكية حقق هدفين: علّم آلاف الشباب العرب، وألزم المؤسسة بفتح أبواب الجامعات الإسرائيلية أمام آلاف غيرهم، في محاولة لمنع الشباب من تأييد الحزب الشيوعي.
إن ما كان يعلمنا إياه معلمو المدارس عن الفرق بين المتعلم والمثقف خلق حالة تناقض وهمية بين الإثنين، والحقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يكون مثقفًا بالعصر الحديث إن لم يكن مهنيًا ومختصًا في مجال ما، ولكن المثقفين بالمفهوم الأشمل هم الذين أسماهم المفكر الماركسي غرامشي بـ"المثقفين العضويين" وهم القادرون على إعطاء (التجانس) و(الوعي الذاتي) و(التنظيم) التي تعتبر الشروط الأساسية لإحداث الهيمنة، الهيمنة الثقافية أولا ومن ثمة الهيمنة السياسية كما ردّد غرامشي طيلة حياته. وبهذا، ففئة متعلمي الدول الاشتراكية ليست فقط الفئة المتعلمة الأعرض طيلة عقود، وهي التي ضمّت "أول طبيب في القرية" و "أول مهندس.." و "أول محامي..".. وإنما هي فئة "المثقفين العضويين" المؤدلجين والمهتمين بالشأن العام ودفعه إلى الأمام.
* * *
كتبت هذا المقال، أيضًا، من أجل إطلاق نداء للباحثين، ولفت النظر إلى النقص البحثي الفادح بهذا المضمار، وأدعوهم لإعداد بحث حول تأثير البعثات التعليمية للدول الاشتراكية على فئة المتعلمين والمثقفين العرب، وكذلك تأثير البعثات على اضطرار المؤسسة الحاكمة لفتح أبواب الجامعات الإسرائيلية للطلاب العرب.. بحث كهذا مهم للغاية في مسيرتنا كشعب.
وكتبت هذا المقال، أساسًا، لأبراز جانب عينيّ من الإسهامات التاريخية للمعلم والقائد والأب توفيق طوبي.
