جيفارا عدو الملل

single
 
"أنا لست يسوع، ولا في مجال "الأعمال الخيرية"، يا أمي. أنا بالضبط على العكس من يسوع، فإنني من أجل ما أومن به أناضل  بكل ما أملك من وسائل، وأحاول أن أهزم خصمي  بدلا من أن تقودني دربي الى نهاية أعلق فيها على صليب  أو غيره". هذا ما جاء في مقدمة رسالته لوالدته، التي أرسلها من المكسيك في 15/4/1956. هكذا كان جيفارا يشم رائحة الثورة ويتبعها.
لقد تنفس جيفارا الثورة  وهضمها وتمشط بها ومات حبا فيها، فتحول الى أسطورة، تطبع صورته بالوشم على أجساد الشباب في كل أرجاء العالم... إنهم بحاجة لبطل ثوري رومانسي لا يخون ولا يفرط ولا يبيع أحلامه ولو كانت صغيرة بكل ما في الدنيا من سلطة وثروة.
بعد 47 عاما على اغتياله، بتاريخ 9/10/1967 في غابات بوليفيا برصاص المخابرات الأمريكية، ما زال أرنستو خوان أنطونيو جيفارا " تشي – الرفيق "، يخرج من عيون الشباب  وكتبهم وملابسهم وقبلاتهم وأفكارهم ورسائلهم وحواراتهم.
وأجمل ما في جيفارا أنه كان عدو الملل. لا يكاد يجلس حتى يقوم، ولا يكاد يستقر حتى يسافر. وأهم ما فيه أنه كتب قصته مع الثورة قبل أن يكتبها غيره. ولم تكن الثورة لديه قرنفلة يشكها في عروة قميصه. وليست مخدة من ريش النعام يستلقي عليها ولا عباءة أمير عربي نتن يتلحف فيها، وإنما صليب من المتاعب حمله على أكتافه، ومشى، بشكل دائم على سطح من الكبريت الساخن.
لقد كان جيفارا ماركسيا حتى النخاع. وتفتح وعيه مبكرا على ما يجري من استغلال  للطبقة العاملة، فكتب في مذكراته الشخصية : "لا يمكن أن يستمر النظام الطبقي الظالم الذي يعاني منه أولئك الناس وأظن أنه آن الاوان كي تتوقف الحكومات قليلا عن الصخب الذي تحدثه عن فضائلها الكاذبة وتخض نفقات الدعاية  لرجالها وتخصص أموالا كثيرة من ميزانياتها لمشاريع اجتماعية تقرب المسافة الهائلة بين الطبقات". هكذا فإن العدالة الاجتماعية ولدت في عقله وقلبه.. انه لم يؤمن بأفكار نظرية قرأها في الكتب.. ثم بحث عن تطبيق لها في الواقع، بل تحول الواقع الذي عاشه الى خطة مباشرة لتغييره. لذلك قتلته عصابات الـ "السي. آي. أيه". بينما الكثير من المثقفين بسأمهم وعجزهم وترفهم في بلاط الملوك والأمراء أو في كافيتريات  "الدمقراطيات" الغربية، يجترون ويتجرعون ما يلقى في حلوقهم.
ولو ان رحم البشرية أكثر من إنجاب مخلوقات سياسية من عينة جورج بوش وأوباما ونتنياهو وليبرمان والبغدادي وأردوغان  وملوك آل سعود فإنها عادت من جديد تتوحم على جيفارا وعبد الناصر وغاندي وأمثالهم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

نجاحنا ليس بالأمر المألوف

featured

المقاربة الروسية الاستباقية: تبشير بنهاية الأحادية القطبية

featured

قطـر واستراتيجية شراء الذمــم!

featured

المربِّي الأصيل

featured

مع الأسرى المضربين

featured

مطالب عادلة لأسرى الحرية

featured

ليكن عامًا من النضال

featured

"كلنا فلان" .... أحقًا!