ازدادت في الآونة الأخيرة قضايا اعتقال شبان وشابات عرب على ما يسمى خلفيات "أمنية". ما راج من رأي وما أجمع عليه جميع من علقوا على هذه الظاهرة يُختزل، باعتقادي، في عنوانين رئيسيين. في أوساط المجتمع العربي تعتبر هذه القضايا نتاجاً لسياسة المؤسسة الحاكمة في إسرائيل وإمعانها في ملاحقة وترهيب الجماهير العربية. أما في أوساط المجتمع الإسرائيلي اليهودي فهنالك شبه إجماع أن هذه الظاهرة هي دليل على استعداء الأقلية العربية للدولة التي يعيشون فيها، وهي لهذا برهان على عدم ولائهم لها واستبطانهم ولاءات لجهات أجنبية تعرِّفها الدولة بجهات معادية.
برأيي أن الرابح الوحيد من إبقاء هذه المعادلة، تراوح بين هذين العنوانين، هي المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، وخصوصاً من يتصدر رهط التحريض على الأقلية العربية بمجملها، نازعاً عنها شرعية البقاء أولاً واستحقاقها لحقوقها الأساسية، فردية كانت أم جمعية، كتحصيل حاصل.
إن التأكيد على سياسة الدولة العنصرية تجاه الأقلية العربية، وتكرار هذا التأكيد لإثبات موضوعة الملاحقة السياسية المتصاعدة في أجواء تنحسر فيها القيم الديمقراطية الأساسية في جميع منظومات الحكم وأدواته، يجب أن يتعدى عملية الوصف والتشخيص، ويجب أن يحث قياداتنا ومؤسساتنا للانتقال إلى مرحلة توضع فيها الوصفات والأدوية لمجابهة ما هو ظاهر من أوبئة وأمراض. لكني أعتقد أن استلال هذه المقولة وزجها في كل حالة اعتقال "أمني" وعلى طريقة "الكليشيه" السحرية تضعف ادعاءنا الرئيسي الأساسي بشأن ما نعانيه من عنصرية وقمع مشرَّع وممنهج، لا بل تقوِّضُه.
كي لا أبقى في العام والنظرية، سأتطرق لحالتين أشغلتا حيزاً كبيراً في فضاء الدولة. وهما قضيتا اعتقال الشاب راوي سلطاني في آب 2009 واعتقال الدكتور عمر سعيد في مطلع العام الجاري.
على الرغم من وجود عناصر شبه ظاهرة بين القضيتين، إلا أنني أعتقد أنهما مختلفتان بشكل كبير وجذري. المشكلة أن ما طغى من تعامل إزاء القضيتين قضى بأن تستوعَبا بنفس القوالب والمفاهيم والمواقف في كلا المعسكرين، أي في الرأي العام السائد في المجتمع العربي المحلي والرأي العام السائد في مجتمع الأكثرية اليهودية.
كلتاهما عُرِضتا كقضايا زائفة، مفبركة، مضخَّمة، لا أصل لها، وكنتاج لأروقة الظلام وما تكيده تلك النفوس الحاقدة القامعة وما إلى ذلك.. وطبعاً أردف من أردف وصرح أن الاثنين بريئان من التهم ووعدوا بأن يبان الحق ويزهق الباطل. في الحالتين تبنت جميع الأحزاب والحركات والمؤسسات موقفاً يصر على أن القضية هي قضية الجماهير كلها ورُدِّدَ الشعار مؤكداً: "كلنا فلان..".
بالمقابل بدأت آلة التحريض والترهيب والوعيد باستغلال تلك القضايا لتدمغ مجتمعاً كاملاً وتقوِّض شرعية البقاء وتشترط له وعليه شروطاً ما زلنا نقرأ عنها كل يوم ونعاني جراءها و"البركة" فيما سيأتي.
أعرف أن القيمين على هذه الجوقة لا تنقصهم آلات العزف ولا نوتات اللحن، لكنهم استعانوا، كما في مرات كثيرة، بما نقوله نحن فما دمنا "كلنا فلان" لماذا لا يرددون ما نقوله ويغشون بهذا أعين الملايين عن حقيقتهم وحقيقة ما يؤمنون به ويبرمجون له؟
كما يعلم الجميع انتهت القضيتان بإبرام صفقة بين النيابة والدفاع، وبالرغم من أن هذا يبقى شأنًا وضرورة مهنية قضائية لكن، لا يمكن فصلها عن بدايات الرواية وما استدعته من مشاعر ومواقف، فالصفقة تقضي باعتراف المتهم بذنب ومخالفة لقانون ما في هذه الدولة، وهذا الاعتراف ينتقص من رواية الفبركة والاختلاق، لكن الأهم فيه أنه يؤكد على فردانية القضية ووجوب إخضاعها دائما، بهذا المستوى، إلى عناصر وأصول التقاضي والمحاكمات (حتى وإن كنا أصحاب موقف مما قد تتيحه أو لا تتيحه من إجراءات نزيهة وما إلى ذلك).
القضية، إذاً، أننا أسرنا أنفسنا في قوالب ومواقف نمطية معممة ومعوَّمة، حيث كان الأجدر بنا أن نجيد التمييز والفصل.
نخطئ عندما لا نعتبر كل قضية من تلك كقضية فردية بمفهومها القضائي والقانوني، وإن قبلنا ذلك يصبح شعار "كلنا فلان..." غير ملائم وغير دقيق، لا لأنه يُجنَّد ويستعمَل من قبل تلك الجوقات المحرِّضة فقط، بل لأنه يعبر عن موقف جوهري وخاطئ مبدئياً.
إضافة إلى ذلك، لا يضر تعميم الموقف بالعام فقط، بل يضر أحياناً بصاحب قضية تخسر كثيراً من عناصر قوتها القانونية والشعبية، عندما نلحقها نمطياً في فئة تصر إسرائيل، نمطيا أيضا، على أن تبقيها في نفس الفئة.
قضية د. عمر قضية تلامس المخالفة، حتى في عرف القضاء الإسرائيلي، بينما عناصر المخالفة القانونية في أفعال ما نُسب للشاب راوي وما اعترف به في المحكمة تبقى عناصر واضحة ولا يمكن زجهما في نفس الخانة لا من الناحية القضائية ولا من أي ناحية أخرى، ولذلك أعتقد أن د. عمر قد دفع ثمناً شخصياً جراء ما رسمناه من قوالب وردود أفعال تعاملت مع جميع هذه القضايا بدون تمييز وتفصيل.
هنالك خطورة ناتجة عن عملية التعميم هذه لما تنتجه من خلطٍ وأخطاء. فإن اعتبرنا مبدئياً أن كل قضية من تلك هي قضية فردية يستلزم هذا اتخاذ موقف واضح صريح إزاء ما ينسب من أفعال تتضمنها لوائح الاتهام بحق صاحب القضية. ما نلقاه اليوم أنه وكنتيجة لهذا الخلط بين فردانية القضية، على المستوى القانوني والقضائي، وتغليفها بالشعار السياسي العام، وبين اعتبارها إفرازًا للملاحقات السياسية الرسمية، فإن كثيرًا من القيادات السياسية والمؤسسات تغفل التعبير عن الموقف إزاء ما ينسب من أفعال في لائحة الاتهام، لتحتمي بالمقولة العامة التي تخسر لهذا من مضمونها كما أسلفت. كذلك لو قبلنا الفصل بين القضية الفردية وبين الشعار السياسي الملائم والصحيح لسَهُل تبرير كل أفعال التضامن والوقوف إلى جانب الفرد صاحب القضية، وإلى جانب أهله وأصحابه وحزبه، ففي هذه الحالة يبقى هذا واجبًا أو تضامنًا من قبل من يريد التعبير عن هذا التضامن مع الفرد بالرغم مما يتهم فيه، أو لمن يشاء من أجل ما يتهم فيه.
أؤكد أن بعض بنود القانون، وبنظر كثيرين من أصحابه في إسرائيل، تبقى بنوداً إشكالية، وواحد من هذه البنود هو ما يسمى "إقامة اتصال مع عميل أجنبي". برأيي كانت قضية د. عمر لتستفيد من هذا النقاش والتساؤلات الموجودة أصلاً في فضاء القضاء الإسرائيلي، لكنها طُوِّعَت قسراً، لأننا ساوينا بينها وبين اتصالات أخرى تعدَّت ما يمكن أن ندافع عنه، فأنا لا أعتقد أن هنالك دولة في العالم كانت ستسامح مواطناً فيها يكون مستعداً لنقل معلومات عن رئيس أركانها، مهما سخفت هذه المعلومات، خاصة إذا كان المتلقي في حالة حرب مع هذه الدولة.
أخيراً، يبقى غياب الموقف الرسمي القيادي المؤسساتي العربي إزاء هذه الظاهرة غياباً مضراً بالمصلحة العامة وسلاحاً بأيدي تلك الجوقات المدججة بعقيدة ومواقف تستهدف اقتلاعنا من هذا الوطن. حري بهذه القيادات أن تميز بين تضامن أو دعم أو أي موقف مع هذا الفرد أو ذاك، لأي سبب أو دافع يدفعها لذلك، وبين "لا موقف" من هذه الظاهرة التي انعكست في عديد من لوائح الاتهام نسبت أفعالاً لا يمكن إلا أن ترفضها. ويجب التعبير عن ذلك بشكل واضح.
"يا جبل ما يهزك ريح" هو ما أكده قادة بعض الأحزاب عندما صرحوا أن الملاحقة السياسية لن ترهبنا، و"تمخض الجبل فولد فأرا"، وهو ما وصفوا نهاية قضية د. عمر سعيد، أتساءل لماذا نقنع بفأرٍ ينجبه الجبل ولا نطمح لنحمي أسوداً بيننا أو إن شئتم غزلاننا أو حتى حمائمنا؟.
