المقاربة الروسية الاستباقية: تبشير بنهاية الأحادية القطبية

single
  • راحت روسيا تراقب، بل وعملت من فوق الطاولة وتحتها على استمرار إخفاق المشروع الأمريكي الأحادي في العالم عامة، وفي الشرق الأوسط خاصة، وهي حين عارضت الحرب على العراق، كانت تدرك تماماً خطورة المستنقع العراقي

//
فاز حزب روسيا الموحدة بزعامة بوتين برئاسة الجمهورية، بعد فوزه بأغلبية مقاعد البرلمان قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية.. وقد تجمع المحتجون والمتظاهرون، الذين ينتمون إلى كل ألوان الطيف السياسي، في أربعة صفوف الواحد تلو الآخر، في المقدمة الشيوعيون بأعلامهم الحمراء التي تحمل صورة المطرقة والمنجل، ثم يليهم القوميون بأعلامهم الشوفينية الروسية، ثم الديمقراطيون الليبراليون، ثم «مجموعة الشريط الأبيض» وهم المحتجون المستقلون. جاء هذا الترتيب بعد أن تم الاحتكام إلى القرعة، غير أن هذا الترتيب بدا أنه لا يزيد الأحزاب والفرق المختلفة إلا حماسة، من دون أن يؤدي إلى شتم، أو أعمال عنف.
في هذا السياق، قال أحد الشيوعيين ويدعى سيرجي أودالتسوف: «إن السلطة للملايين، وليست للمليارديرات.. ونحن هم الملايين»، هذا بينما هتفت مجموعة من الشبان: «ليتنح الشيكيون»، نسبة إلى «شيكا» الاسم الذي يحب ضباط جهاز الاستخبارات السوفيتي السابق (كي.جي.بي) مثل بوتين، أن يطلقوه على أنفسهم.

  • الرؤية الروسية للنظام الدولي

السؤال الكبير الذي يطل برأسه بعد عودة بوتين إلى قمة السلطة الروسية هو: هل بدأت فعلاً بداية النهاية للنظام العالمي «الأحادي القطب»، الذي تزعمته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة؟!
في إحدى مناظراته المتلفزة، حاول بوتين بلورة تصوره حول الاستراتيجية الروسية الجديدة، فيما يتعلق بهيكل القوة في النظام الدولي، وأعلن صراحة معارضته لهيمنة قوة واحدة على النظام العالمي، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة، وعبر عن قلق روسيا اتجاه احتمالات تنامي الهيمنة الأمريكية في ظل مسعى واشنطن إلى السيطرة على مصادر الطاقة الأساسية في العالم، ومد نفوذها شرقاً إلى الحدود الروسية في أوروبا الشرقية ودول الكومنولث.
وخلال «مؤتمر ميونيخ» للسياسات الأمنية في كانون ثاني 2012، وجه بوتين انتقادات حادة للسياسة الأمريكية، واستخدامها المفرط للقوة الذي يكاد يكون غير منضبط للسيطرة في العلاقات الدولية.. وتجاوزها حدودها الوطنية في كل اتجاه، وحذر بوتين من أن قيادة الولايات المتحدة «لعالم أحادي القطب»، غير مقبول، وأدى إلى الحروب، والمزيد من الصراعات في العالم.
تأتي تصريحات بوتين بمثابة تقييم للسياسة الأمريكية، وتعبير عن رفض روسيا لها لما تمثله من تهديد مباشر للمصالح الروسية، وهي تؤكد أن روسيا تنظر إلى السياسة الأمريكية على أنها مصدر خطر على المصالح الروسية، فموسكو تدرك أن الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي، وفي أفغانستان والعراق، وفي بعض جمهوريات آسيا الوسطى، هو بمثابة تطويق شامل للأمن القومي الروسي، ويتكامل مع امتداد الحلف الأطلسي ونشر «الدرع المضادة للصواريخ» في دول أوروبا الشرقية، كما تعكس تصريحات بوتين العائد إلى الكرملين إدراك القيادة الروسية ضرورة القيام بدور روسي أكثر فعالية في مواجهة السياسة الأمريكية، وفعالية الدور الروسي لن تكون بالضرورة عودة إلى أجواء الحرب الباردة، وإلى سباق التسلح بين موسكو وواشنطن، وإنما بالسير بخطى ثابتة، ولو بطيئة، لاستعادة بعض مواقع النفوذ التي فقدتها روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، وتصحيح الخلل في التوازن بينهما إلى علاقة متكافئة بين شريكين على قدم المساواة، في إطار نظام متعدد الأقطاب ينهي الاحتكار والتفرد الأمريكي في إدارة الشأن الدولي.
وعلى هذا الصعيد، تبرز الصين كحليف أساسي، وأحد الأقطاب التي ترى موسكو في الشراكة معها عاملاً أساسياً لموازنة الهيمنة الأمريكية والحد منها، لا سيما في منطقة آسيا الوسطى التي تحظى بأهمية خاصة لدى البلدين، وأيضاً في منطقة جنوب شرق آسيا، حيث الوجود المكثف في اليابان، وأستراليا وكوريا الجنوبية.

  • بوادر الحرب الباردة تطل من جديد

من هذه القضية، راحت روسيا تراقب، بل وعملت من فوق الطاولة وتحتها على استمرار إخفاق المشروع الأمريكي الأحادي في العالم عامة، وفي الشرق الأوسط خاصة، وهي حين عارضت الحرب على العراق، كانت تدرك تماماً أن المستنقع العراقي لن يكون أسهل من المستنقع الأفغاني الذي وقع فيه الاتحاد السوفياتي السابق.
وكم كلف السوفيات مادياً وعسكرياً ومعنوياً.. وكان من بين عوامل الانهيار. أدركت روسيا سلفاً أن الإخفاق الأمريكي في العراق وأفغانستان سيدق مسماراً في نعش القطبية الأمريكية الأحادية، وسيخلف فراغاً سياسياً عالمياً في خارطة النظام العالمي الجديد، سيتيح المجال أمامها للعودة مرة ثانية إلى الساحة الدولية والشرق أوسطية.
وقد برزت مظاهر عودة الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، فعبرت عنها وجسدتها أحداث ونقاط ساخنة على امتداد العالم، وهي تعكس تناقضات أساسية بين التوجهات الروسية والسياسات الأمريكية، أولها موضوع نشر شبكة الصواريخ الأمريكية في دول أوروبا الشرقية التي انضمت إلى حلف الناتو.. الأمر الذي يعني شل القدرة النووية الروسية، ويعني أيضاً تكريس عملية تحول هذه الدول من التبعية لموسكو إلى التبعية لواشنطن.
قضية الصدام الثانية في بلاد البلقان، فالولايات المتحدة تدعم استقلال كوسوفو عن الاتحاد اليوغسلافي السابق، والذي لا يزال حتى اليوم جزءاً من صربيا، والتحالف الصربي – الروسي يملي على الكرملين موقفاً رافضاً لاستقلال كوسوفو، ذلك أن قرار الفصل بين صربيا وكوسوفو على أساس التمايز الديني والإثني والعرقي، يشكل مبرراً لإقرار انفصال الشيشان أيضاً عن الاتحاد الروسي وهو ما يرفضه الكرملين بشدة وإصرار.
القضية الثالثة، هي انتشار القواعد العسكرية الأمريكية في دول آسيا الوسطى التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي السابق، خاصة في «كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان» وهي الدول المتشاطئة مع روسيا وإيران في بحر قزوين الغني بالنفط والغاز، وهذا يعني مزاحمة الولايات المتحدة لروسيا على منطقة تعتبرها تاريخياً تابعة لها، وعلى ثرواتها ومصادر الطاقة فيها، والأهم من هذا تطويق روسيا من جهات عدة بقواعد عسكرية أمريكية في دول تدور في فلكها مما يشكل تهديداً لأمنها القومي.
لهذه الأسباب أخفقت قمة قزوين الأخيرة، في صيف عام 2011، للدول المتشاطئة لحوض البحر «روسيا، وكازاخستان، وأذربيجان، وتركمنستان، وإيران» في التقدم بتحديد الوضع القانوني للبحر، وتقسيم الجرف والقاع وسطح ماء البحر، إلى قواطع للدول المطلة عليه, كذلك فإن محاولة الولايات المتحدة لدفع بعض هذه الدول إلى تحويل مجرى خطوط نفطها وغازها بحيث تتجنب المرور عبر الأراضي الروسية، وذلك لإضعاف أي دور سياسي روسي في توظيف مرور هذه الأنابيب عبر أراضيها.
كما أن محاولة ربط هذه الدول – وكلها دول إسلامية – بالولايات المتحدة الأمريكية وبمعسكرها السياسي العسكري يعني توسيع الفجوة السياسية والثقافية والاقتصادية بين روسيا وهذه الدول التي كانت تابعة لها يوماً ما، والتي لا ترى بداً من التكامل الاقتصادي والاجتماعي مع روسيا سبيلاً لنموها وازدهارها.. وأخيراً فإن إقامة القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في هذه الدول يضع روسيا بين فكي كماشة عسكرية أمريكية، فمن الشرق آسيا الوسطى، ومن الغرب أوروبا الشرقية، وهاتان المنطقتان كانتا جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق، وهما الآن جناحا حماية قلب روسيا الاتحادية.
القضية الرابعة، وربما الأكثر سخونة، وهي الشرق الأوسط بملفاته المختلفة التي تشهد تناقضاً واضحاً في المواقف والسياسات بين روسيا والمجتمع الدولي، خاصة في ملفات إيران، والعراق، وسورية، وعامة في التحولات المتسارعة لبلدان ثورات الربيع العربي.. والتي تظهر جلية وواضحة من خلال الدعم والتسليح الروسي لسورية، وكذلك الموقف الداعم والحامي لإيران في مسعاها لدخول النادي النووي.
القضية الخامسة، وتقع على خاصرة روسيا الجنوبية، وقد اشتعلت هذه القضية عام 2008 بعد أن شنت جورجيا حرباً على أوسيتيا الجنوبية مما دفع بالروس للاعتراف باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وفي هذه المواجهات زودت إسرائيل جورجيا بالأسلحة ودعمتها بالخبراء الإسرائيليين، فردت روسيا على المساعدات الإسرائيلية لجورجيا بموافقتها على بيع صواريخ «اسكندر» لسورية، وتوطيد التعاون في المجال العسكري والتقني معها، وقد امتدت الأزمة الجورجية إلى  الساحة الدولية، فلوحت الولايات المتحدة بموافقتها على ضم كل من جورجيا وأوكرانيا إلى حلف الناتو، ما دعا روسيا للرد بتزويد إيران بالأسلحة، والإعلان عن استعدادها لتزويدها بصواريخ (5,300)، وتأكيد استمرار دعمها في مواجهة الغرب حول ملفها النووي.

  • لن تبقى السياسة الخارجية كما كانت


خلاصة القول: لن تبقى السياسة الخارجية الروسية في المرحلة القادمة، ومع عودة بوتين إلى قصر الكرملين، كما كانت، وستنتهج موقفاً استباقياً، لقطع الطريق على خطط الآخرين التي تهدد الأمن والاستقرار الروسيين من جانب والدوليين من جانب آخر، أما توقيت هذا التحول في السياسة الخارجية الروسية فيعود إلى أسباب عدة لعل أهمها مسألة «الدرع الصاروخية»، كما هو ملف التحولات الثورية في البلدان العربية، وملف الصراع العربي – الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.. وهي ملفات مفصلية لو أدارت روسيا ظهرها لها، وحيالها، لكانت قد فقدت بذلك الفرصة الأخيرة للمضي على درب إحداث تغييرات في العالم تضمن لها مكانتها وتحمي مصالحها، وتؤدي إلى إعادة بناء منظومة العلاقات الدولية بصورة عادلة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

البلدية الى أين؟

featured

لتصعيد معركة المدارس الأهلية

featured

شكرًا للمؤرّخ الجديد

featured

حكاية بائعة الزيت...!

featured

تحية للحزب الرفيق والشقيق

featured

أخماج السالمونيلات SALMONELLOSIS

featured

فلسطين ستقوم كطلوع الشمس على قبة الأقصى.. ذهبٌ على ذهب.. عاصمةٌ على لهب.. احتلال على حطب