لم يترك الشعب الفلسطيني وسيلة للمقاومة تعتب عليه، إلا وقام بها وفصلها وكانت على مقاسه، وكان الحجر- الذي لم يُعرف تاريخيًا أنه من أدوات محاربة العدو - أول الوسائل التي سجلها الشعب الفلسطيني في موسوعة المقاومة حكرًا على قوته المجسدة في ضعف الحجر، وبقي الحجر سيد المقاومة في ظل الترهل القيادي والتفاوض العبثي والانبطاح العربي، ويدخل الكاوتشوك على خط المقاومة كوسيلة مجسدًا بالإطارات السوداء، التي تراكمت على حدود غزة مجددة لغة المقاومة ورفض الاحتلال، وحالمة ببعث الهواء الملوث بالسواد ورائحة الإطارات بعد حرقها الى الهواء الإسرائيلي المدنس بالاحتلال.
وكما في كل مقاومة حيث تجد نفسها وحيدة على حدود تمطر قهرًا وحصارًا ووجعًا وقتلًا ومرضًا وبطالة لا بد أن تجد في مفعول حرق الإطارات رسالة، لكن العنوان الى من ؟ الى محتل ينخر سوسه في أرض الدول العربية..! الى العالم الذي ينصت الى وقع الخطوات المقاومة فيرسمها كأنها وقع راقصات باليه، أو الى رؤساء الغرب الذين يحركون دمى الأنظمة العربية بمهارة أصحاب سيرك لهم تاريخ عريق في مهنة التحريك ؟ أو الى الامريكان بقيادة ترامب الذي ركب مكنسة الساحرات حاملا عصاه السحرية التي تحول كل وجه عربي الى زاوية انحناء وكل ابتسامة لزعيم عربي الى حمد و شكر للعصر الذي وهب لنا نعمة ترامب.
من يضع سماعات الطبيب على دقات قلوب الشعب الفلسطيني ؟؟ لا أحد.. ! من يُكذب الواقع المتردي في قطاع غزة ؟ من لا ينظر الى الشعب الفلسطيني كأنه المقعد الذي يسد الطريق على الهرولة الى الدولة الصهيونية ؟
حريق الإطارات والهواء الملوث لم يصل الى أي ضمير عربي أو غربي، حتى مدن وقرى الضفة الغربية تحيا في الأسواق والدكاكين مشرعة أبوابها على نبض البيع والشراء والشوارع تعيش على أبواق السيارات التي تحمل وتنزل وتوصل.
التاريخ يؤكد..حين نكون وحدنا من حقنا أن نشعل الإطارات ونلوث ونصرخ لأن صوتنا لا يشبه أصوات الآخرين، ونحن ندري أن الإطارات لنا والكاوتشوك لنا، والمرايا التي لا تعكس صورتنا بقدر ما تعكس الآن وجه القطيع الذي أصر على البقاء في حظائر" الولد المطيع " التي بناها ترامب للولد محمد بن سلمان.
نخجل من ذوبان الإطارات التي ذابت ولم نشاهد ذوبان الصمت العربي الذي بقي جليدًا متباهيًا بخرسه، متباهيًا بنشرات أخباره التي تنقل صور أهالي قطاع غزة .
نخجل من الهواء الذي حمل صرخة السواد التي التهمت السماء ولم تصل الصرخة الى رام الله وباقي أصابع السلطة التي وضعت أظفارها لدى أطباء التجميل.
الى الشهداء.. أخجل من رحيلكم الذي قطع رحلات انفاسكم وأحلامكم وغدًا ستتحولون الى ارقام تقبع في كتب النضال، أخجل من دمكم، من دموع امهاتكم.
أسأل زرقاء اليمامة الشاعرة التي كانت ترى عن بعد عدة أيام : هل ترين شيئًا يا زرقاء اليمامة ؟
تقول : أرى دمًا وضجيجًا اعلاميًا وشخصيات تتسلق تلك الدماء.. !
عاشت الإطارات السوداء، فلكل فلسطيني الآن اطاره بعد أن كان لكل فلسطيني حجره، وإذا قطاع التجارة في إسرائيل قد أعلن وقف تصدير الإطارات الى غزة، فهم لا يعرفون أن اطار الروح والوجع ليس بحاجة الى استيراد لأنه يحيط بكل عنق.
