على هامش العودة: ان تكون فلسطينيا في اسرائيل

single

سألتني صديقة تونسية مرة بعد ان اعتراها الفضول: "يعني انت واليهود بتركبوا في نفس الباص؟".
سؤال بسيط وواضح، اصبح لوهلة سؤالا فكريا وعميقاـ يتوجب عليّ الغوص في حيثياته وجوانبه العديدة.
نعم،  اركب في نفس الباص ولكنني اتحاشى الجلوس بجانب مجند او مجندة يتباهيان بسلاحهما ويبتسمان لي ابتسامة صافية، مفسحين مكانا لي لكي اجلس على نفس المقعد.
اركب في نفس الباص ولكن امي الغالية توصيني دائما بأن اكون حذرة، والا اتحدث بالعربية في هاتفي النقال وخصوصا عندما اتواجد في القدس- لكي لا اشد الانتباه اكثر من اللزوم.
أنا فلسطينية انتمي لمليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في اسرائيل.  هذه الدولة الصهيونية التي كانت السبب الرئيسي في اقتلاع معظم الشعب الفلسطيني من مكانه ومن حياته، هي نفس الدولة التي احمل جنسيتها، لأنها وبكل صراحة، الضمان الوحيد لي للبقاء في المكان.
بدأت الرواية عندما تبقى 167,000 فلسطيني بعد النكبة، في فلسطين الـ 48 او فلسطين الداخل او...- تختلف المسميات ولكن الاهم هو اننا نعني نفس "المكان". هذا المكان الذي صار بين ليلة وضحاها ملكا لغيرنا ولنكن دقيقين اكثر، ملكا لعدونا.
ماذا يعني ان تكون فلسطينيا في اسرائيل؟
أن تكون فلسطينيا في اسرائيل-  يعني ان تعتصر الحسرة قلبك عند الوقوف على عدم قدرتك في انقاذ بيت عربي مهجور في حي "وادي الصليب" في حيفا وان تراه يُهدم أمام ناظريك. أو ان ترى مدخل بيت مزين ببيت شعر من اللغة العربية وعلى جانب الباب يافطة تقول باللغة العبرية هنا : "مبنى الدائرة الخارجية للحركة الصهيوينة".
في كل مرة اعود الى حيفا، مسقط رأسي وساحة طفولتي- اعد البيوت واحدا واحدا، خوفا من تقلص الذاكرة وخنوعها للجغرافيا المستحدثة.
أن تكون فلسطينيا في اسرائيل هو ان تشعر بتهديد كياني وحقيقي للوجود الفلسطيني، عند شق شارع جديد وعند تشييد بناية جديدة تصل السماء.
أن تعتاد على مرأى الاعلام الإسرائيلية ترفرف في كل مكان وان تقنع نفسك قائلا "بيخافو منا"! والدليل انهم يحتمون بقطع من قماش لتذكرهم بوجودهم.
أن تكون فلسطينيا في اسرائيل- يعني ان ترتب وقتك وموعد دخولك للمراحيض لتختبئ من العيون التي تراقبك وقت اطلاق صفارة الانذار في ذكرى قتلى الجيش الاسرائيلي، او ان تلزم بيتك بحجة المرض.
أن تكون فلسطينيا في اسرائيل، يعني ان تساوم على انسانيتك حينما تتردد او لا تتردد في الوقوف على صفارة ذكرى الكارثة والبطولة.
أن تكون فلسطينيا في اسرائيل – يعني ان تصبح مريضا نفسيا، مصابا بداء الانفصام في الشخصية، لتكون الازدواجية آلية أساسية للحفاظ على سلامة عقلك وجسدك.
أن تعيش هنا،يعني ان تعيش وانت على دراية كاملة بأنك بطل  فيلم طويل، مليء بالتناقضات. يوجبك الدور، تعلم ارتداء طقية  الاخفاء.
باختصار جميعنا مرضى نفسيين. لم اشارك هذه السنة في مسيرة يوم الارض ومسيرة العودة. لأنني لا اريد للنكبة او ليوم الارض التحول الى "ذكرى إحياء"، مع طقوسها الخاصة، وبعدها الرجوع الى وهم حياتنا "الطبيعية".
يكفي ان ننظر عميقا الى حياتنا، لنرى اننا نحن المنتج الخالص لنكبة الـ 1948 مع تاريخ صلاحية ساري المفعول حتى يومنا هذا.
ولكي لا افقد الامل – اكتب ما اكتب هنا. في محاولة مني للخروج من مسيرة العودة الى العودة ذاتها. "ملان بيوت بتستنانا".

قد يهمّكم أيضا..
featured

لتنحية نتنياهو وحكومته محراك الشر عن كراسي السلطة!!

featured

مأساة الكرمل ... ومسؤولية الساسة

featured

الواجب الذي تقتضيه المرحلة

featured

المطلوب فلسطينيًا

featured

تآكُل في التقاليد عمومًا

featured

ليلة القدر مثلا

featured

مقامرة بالدماء للكسب السياسي