لم ينشأ تهديد وزير الخارجية ورئيس حزب إسرائيل بيتنا افيغدور ليبرمان بتهديده العدواني باسقاط نظام بشار الاسد السوري، لم ينشأ من عدم او صدفة أوجدتها ظروف بقعة للتطور في صحراء قاحلة او عشبة سامة غريبة في المسكب الصهيوني!
فبرأينا ظهور ليبرمان ناشطا على الساحة السياسية الصهيونية وبشكل بارز تدرج في المناصب العليا حتى اصبح ثالث اكبر كتلة برلمانية في الكنيست يشغل منصب وزير الخارجية يؤلف مع وزارتي الحرب والمالية اهم ثلاث حقائب وزارية في حكومة نتنياهو اليمينية. ولم يكن التطور المغامر لافيغدور ليبرمان مفاجئا اذا فحصنا وحللنا الخلفية الحقيقية لتطور ليبرمان كمأفون فاشي عنصري على الساحة السياسية ينافس بمواقفه المغامرة غلاة اليمين المغامر الاسرائيلي التقليدي.
وانهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه كان نعمة بالنسبة للصهيونيين السياسيين والصناعيين ومديري البنوك وتجار الاستيراد والتصدير ولصوص غسل الاموال. والداعية الصهيونية ليبرمان اخذ يستفيد من وضع الفوضى الذي كان قائما وينشر اذرع اخطبوطه السياسي والاقتصادي في شتى المجالات من فتح مكاتب لتهجير اليهود من مختلف الجمهوريات السوفييتية السابقة الى الاتجار بالاسلحة وتهريب الاموال وتبييضها بشكل غير قانوني الى اقامة شركات متعددة وصلت الى شراء فريق "بيتار" القدس العنصري واقامة شبكة من العلاقات السياسية مع اوساط السلطة وخارجيا مع ارباب رؤوس اموال من اليمين المحافظ الامريكي. وليبرمان اكثر من يدرك طابع الهوية المتناقضة ليهود الجمهوريات السوفييتية السابقة. فانهيار الاتحاد السوفييتي في سنة (1991) قد رافقه موجات من الهجرة تقدر بين (900 الف الى مليون مهاجر جديد الى اسرائيل)، بعضهم استغل هذه الهجرة بتحويل اسرائيل الى محطة عبور الى الولايات المتحدة الامريكية وكندا واستراليا والمانيا وبريطانيا وفرنسا. وتختلف هذه الهجرة عن سابقاتها انها هجرة اقتصادية بدوافعها وذلك من جراء عدم الاستقرار والخوف مما سيحدث بعد الانهيار، بمعنى انها لم تكن بدوافعها الاساسية هجرة ايديولوجية صهيونية، مئة بالمئة. ولكن هذه الهجرة والمهاجرين كانوا معبئين ومشحونين بالتثقيف الصهيوني الموبوء بالكراهية ضد الشيوعية والعرب. ولكن نقطة الضوء الايجابية انه اذا كان اليمين المتطرف فكرا وسياسة هو الطابع السائد للهجرة الاخيرة فانه مقابل ذلك يبرز الطابع الليبرالي في قضية حقوق الانسان المدنية والاحوال الشخصية. وحول هذه النقطة بالذات يركز البروفيسور ماجد الحاج اهمية الكفاح العربي – الروسي في قضايا الاحوال الشخصية وحقوق الانسان.
إن المستفيد من الهجرة الاخيرة اكثر من غيره، وخاصة من تناقضات طابعها هو افيغدور ليبرمان. فقد اقام حزبا قطاعيا ليهود الاتحاد السوفييتي اكبر تجمع يهودي تراكم من خلال موجات الهجرة المتتالية قبل وبعد نكبة الشعب العربي الفلسطيني.
وقد وجه ليبرمان وحزب شاس والليكود وغيرهم آلاف المستوطنين لاغتصاب الارض العربية المنهوبة للاستيطان عليها، فمن ناحية ظروف الحياة من سكن وضرائب ومياه وكهرباء فهي ارخص في المستوطنات والاهم من ذلك فرض سياسة الامر الواقع الصهيونية بتهويد الارض الفلسطينية وعرقلة احتمال قيام دولة فلسطينية مستقلة. واطلاق اسم "اسرائيل بيتنا" على حركته يعني من حيث مدلولها السياسي ان اسرائيل بيت للشعب اليهودي ولا مكان للاغيار، وخاصة للعرب فيه. وهذا التعريف ينسجم مع مدلول محاولة بنيامين نتنياهو وتسيبي ليفني املاء شرط اعتراف القيادة الشرعية الفلسطينية بان اسرائيل دولة الشعب اليهودي مقابل موافقة اسرائيل على استئناف المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية! دعوة مدلولها الاساسي شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذي تقره الشرعية الدولية ومصادرة حق الاقلية القومية العربية في ممارستها حقها السياسي الدمقراطي الشرعي بحكم انها الاهل الاصلانيون لهذا الوطن، دعوة صهيونية للتطهير العرقي كما حدث ايام النكبة الاولى عندما هجر شعبنا الى الشتات القسري خارج وطنه وعندما حدثت النكبة الثانية في حرب حزيران السبعة والستين وتم هدم العديد من القرى العربية في الضفة والقطاع والجولان وتشريد عشرات الوف الفلسطينيين والسوريين الجولانيين خارج وطنهم.
إن ما يثير قلق افيغدور ليبرمان في الآونة الاخيرة هو اقتراب حبل العدالة من رقبته بصفته مجرما تلاحقه منذ عدة سنوات تهم عديدة منها غسل الاموال، التهرب من دفع بعض الضرائب المستحقة، الرشى، خيانة الثقة الممنوحة له. وفي زنقته الخانقة يلجأ الى لغة شارع الرذيلة والى المزاودة في التصريحات العدوانية الصهيونية ضد ايران وسوريا والفلسطينيين وجماهيرنا العربية.
** وزير خارجية منبوذ:
لو جرى استفتاء موضوعي عالمي حول من هو اكثر وزير خارجية دولة منبوذ وغير مرغوب فيه من بين دول العالم لكان افيغدور ليبرمان يحرز قصب السبق لغبائه ولحماقته السياسية وجنونه كمحراك شر حروب عدوانية ومفجر فتن عنصرية ويمينية مغامرة معادية للعرب وللدمقراطية. كلنا يذكر تصريحه العدواني الاحمق بتفجير اهرامات مصر والسد العالي الشريان الحيوي لتطور مصر ورمز الصداقة السوفييتية – المصرية ايام رئاسة خالد الذكر جمال عبد الناصر، حماقة تجعل نظام مبارك المرضي عنه اسرائيليا وامريكيا يرفض حتى اليوم زيارة ليبرمان الى القاهرة، وعمليا نائب وزير خارجية ليبرمان ووزير الحرب ايهود براك يقومان عمليا بمهمة وزير الخارجية ليبرمان.
وفي وقت تتعثر فيه عملية استئناف المفاوضات مع القيادة الشرعية الفلسطينية بسبب عدم استجابة اسرائيل لاستحقاقات الاستئناف توجه مكابس الضغط الامريكية والفرنسية والاسرائيلية لدفع عجلة استئناف المفاوضات السورية – الاسرائيلية. فهذه الاوساط ترى في دفع عجلة التسوية السياسية السورية الاسرائيلية مقدمة لتدجين النظام السوري امريكيا وابعاد سوريا عن منظمات المقاومة الوطنية في لبنان والعراق وخاصة عن حزب الله اللبناني. وانجاز ذلك يعتبر خطوة هامة في طريق تنفيذ المشروع الامريكي الاستراتيجي باقامة الشرق الاوسط الجديد بقيادة الولايات المتحدة الامريكية وكتحالف لتطبيع العلاقات بين اسرائيل والدول العربية "المعتدلة".
ولا نعرف السبب الحقيقي الذي "عصّ على ذنبة" افيغدور ليبرمان ليصرح ردا على تصريحات الرئيس السوري ، اثناء محادثاته مع وزير خارجية اسبانيا ميغيل موراتينوس يوم الاربعاء من الاسبوع الماضي معتبرا تصريح الاسد تهديدا مباشرا على دولة اسرائيل". وبناء على ذلك فقد اكد في جامعة بار ايلان ما يلي "رسالتنا للاسد يجب ان تكون واضحة. في الحرب القادمة ليس فقط ستخسرون بل ستخسر انت وعائلتك الحكم. لن تجلس انت على كرسي الحكم ولا عائلتك"!!
هل اراد ليبرمان بتشويه الحقائق عن موقف الاسد لينافس نتنياهو في مدى تصريحه الاكثر تطرفا وحرصا على مصالح اسرائيل في عدم الخروج من هضبة الجولان السورية وانه يستحق هو ان يجري المفاوضات غير المباشرة مع سوريا وليس نتنياهو او براك. فالاسد قال في استقبال موراتينوس" اسرائيل غير جادة في تحقيق السلام وانها تدفع المنطقة باتجاه الحرب وليس باتجاه السلام". الاسد اثار حفيظة نتنياهو رغم تأكيد الوزير الاسباني له بانه "يؤمن بصدق نوايا الاسد نحو السلام، وانه على قناعة بانه يمكن فصل سوريا عن ايران وحزب الله، ولهذا يجب تجديد المفاوضات بين سوريا واسرائيل"! وجاء الرد من مكتب رئيس الحكومة في ختام اللقاء "ان تصريحات مسؤولي القيادة السورية مؤسفة جدا، فالواقع مختلف جدا، رئيس الوزراء صرح مرارا انه على استعداد للشروع بمحادثات مع سوريا في أي وقت وفي أي مكان في العالم دون شروط مسبقة"!! أي بدون الالتزام باستحقاق استئناف المفاوضات السورية – الاسرائيلية، بدون الالتزام بالانسحاب من جميع هضبة الجولان المحتلة الى حدود الرابع من حزيران السبعة والستين وبدون بدء التفاوض من النقطة التي وصلت اليها المحادثات مع حكومة اولمرت السابقة.
إن ليبرمان في حقيقة الامر احد المخربين الاساسيين على العملية السياسية في المنطقة وليس صدفة وللاسف انه احد القادة الثلاثة الى جانب نتنياهو وبراك الذين يقودون قوى التطرف اليميني في الحكومة، ليبرمان ليس اقل يمينية ومأساوية عن غيره من قادة اليمين المتطرف من يعلون ولا من بيغين ولا من إيتام او نتنياهو او لنداو ورؤساء عصابات كهانا ومافيا الارهاب اليهودي! ولكنه يختلف عنهم في انه يصرح ويتحدث بصراحة على المكشوف بما يفكر به غيره سرا ويصرح به احيانا.
ليبرمان لا يخفي سياسته العدوانية المغامرة ضد العرب والفلسطينيين كما لا يخفي عداءه للتعايش اليهودي العربي ومن اجل التطهير العرقي للعرب بتنظيف اسرائيل منهم ومصادرة حقهم في الوطن والمواطنة باعتبارهم " "رعايا" او سياسيا عليهم سجود ركعات الولاء للدولة" والتنكر لنكبة شعبهم.
إن تنحية ليبرمان عن كرسي وزارة الخارجية شيء ايجابي ومطلوب، ولكن مصلحة شعبي هذه البلاد وشعوب وبلدان المنطقة تتطلب الاسراع في غروب ليل حكومة الكوارث اليمينية القائمة، حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك - يشاي.
