*المرزوقي، ومن معه، ماضون في تضييع فرصة تاريخية لبناء قوّة “وسط يسار” فاعلة تحمي أهداف الثورة وديمقراطيّتها الوليدة الهشّة عبر موازنة القوى اليمينيّة الحاكمة – وتلك المعارضة كذلك؛ قوّة تمنع نقل الصراع السياسي من ساحة الخيارات الاقتصادية الاجتماعيّة الكبرى الى حلبة المهاترات الثقافويّة والهُويّاتية المدمّرة*
أخيرًا بعد طول انتظار وتشويق خرج المنصف المرزوقي على الشعب التونسي. لجهة المظهر بدا الرجل، رغم نجاحه في ترويض نبرة صوته المنفعلة عادة، مُتعبًا ومغلوبًا على أمره. أمّا لجهة المضمون فلم يقل جديدًا يُذكَر عدا تذكيره بموقفه “المبدئي” في قضية المحمودي. وبعد ان استدلّ بذلك لابداء تفهّمه “تخوّف” المعارضة من “تغوّل” حركة النهضة، بادر، بمعادلة منطقية لا يعرف سرّها سواه، الى تبديد نفس الخوف “غير المبرّر”، كما وصفه؛ فقط لأنّ “كلّ الشركاء (في الترويكا) تعهّدوا وأكّدوا تمسّكهم بالوفاق”. المرزوقي مغلوب على أمره فعلاً. لكن المفارقة في أنّها حالة وصل اليها باختياره لا مكرهًا كما يستشفّ أحيانًا من كلامه. وهذه الخاصيّة تحديدا تجعل منه ظاهرة جديرة بالدرس والتأملّ.
منذ ما قبل الثورة، لكن خاصّة اثر خلع بن علي، تميّز المرزوقي بصورة ذلك المثقّف المبدئي الأخلاقي الذي “اضطرّ” لخوض غمار السياسة اعلاءً لما يؤمن به من مُثُل وبهدف تنزيل ما يحمله من رؤية تغييرية جذريّة أرض الواقع. وقد بيّنت نتائج انتخابات المجلس التأسيسي، التي خاضها دون موارد ماليّة تُذكَر – مقارنة بجلّ الأحزاب الكبيرة -، مدى تعطّش التونسيين لسياسيين من طينته. إذ نجحت أغلب الاحزاب بسرعة قياسية في رسم صورة سلبيّة، لدى الجمهور، عن السياسيين نظرا لما تميّز به جلّها من انتهازيّة ولغة خشبيّة محافظة. كما انّ بساطة الرجل وعفويتّه جعلتاه قريبًا من الفئات الشعبية وجزء هامّ من الطبقة المتوسّطة، على عكس ما ميّز بعض زعماء الأحزاب من مظهريّة “ارستقراطيّة” لا تعجب غير أبناء بعض المناطق المُترَفَة.
تلك البساطة، معطوفة على الاعتدال في موضوع الهويّة الثقافيّة، مع جذريّة نسبيّة في المواضيع السياسية والاقتصاديّة (الى جانب حزب العمّال كان “المؤتمر” الحزب الوحيد الذي طرح في حملته مسألة التدقيق في الديون الخارجية لتونس) مثّلت ملامح بديل ثالث ممكنًا اختياره بالنسبة للتونسيين غير الميّالين الى اليمين، لا في نسخته “المتديّنة” ولا في تلك “الحداثيّة”. بديل “وسط يساري” كان صعبا على الدعاية المضادّة (التي أضرّت ايّما ضرر بحزب العمّال مثلا) ان تضعه في خانة “معاداة الدين” ولا في خانة ” التسترّ بالدين لتبرير الرجوع الى الماضي”. نجاح المرزوقي وحزبه في تشرين الاول الماضي عبّر عن ظاهرة شبيهة الى حدّ كبير بما مثّله صعود نجم المرشّح حمدين صباحي في الانتخابات الأخيرة في مصر. (وهذا المعطى في حدّ ذاته يمثّل أمرًا ايجابيًا يجب البناء عليه برأيي).
- انعدام تجانس فكري
للأسباب المذكورة أعلاه، ساندتُ ككثيرين غيري الرجل وحزبه قبل الانتخابات السابقة (وان لم أصوّت له ). إذ مثّل أكثر خيار “يساري” قادر على النجاح انتخابيًا. بل وقد فكّرتُ جدّيًا وقتها في الانضمام، بمعيّة بعض الأصدقاء، لحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة. إلاّ انّ قراري التخصّص في العمل الصحفي (الذي يفترض الاستقلالية عن الأحزاب) جعلني أعدلُ عن الأمر. لكن لم يكن ذلك السبب الوحيد. فبالاضافة الى ضعف التنظيم (المفهوم نسبيًا في ظروف ما بعد 14 جانفي-كانون الثاني) الذي سمح بدخول عدد من الانتهازيين، بدا لي واضحًا ما يعانيه الحزب من عدم تجانس فكري. إذ أذكر جيّدًا ما لاحظته أثناء جلسة نقاش لوثيقة تعرّف بهويّة الحزب (أثناء مؤتمره بالقيروان قبل عام) من تشوّش كبير لدى أعضائه ومن ميل بعض قياداته الى تبنّي خطاب ايديولوجي لا واعي “معادٍ للايديولوجيا”. إذ لم يستسغ بعض الأصدقاء المؤتمريين وقتها وصف الحزب بأنّه “وسط يسار عروبي” مثلا (وهي الصفة التي يمكن اسنادها بيسر لمؤسّس الحزب وزعيمه المنصف المرزوقي). وبدا جلّيًا انّ الحزب يشبه من هذه الزاوية تجارب أخرى – منها ما عايشته شخصيا كالحزب الديمقراطي التقدّمي – يلتقي فيها النّاس حول أفراد ذوي كاريزما أو تاريخ نضالي مشرّف او مواقف جريئة أكثر من التقائهم على أرضية مشروع مجتمعي واضح.
المخاوف من انعدام التجانس الفكري ومن غياب المشروع المجتمعي الواضح تأكدّت للأسف بُعيد انتخابات المجلس التأسيسي؛ تحديدًا أثناء مفاوضات تشكيل “الترويكا”، الائتلاف الحاكم اليوم في تونس. بل انضاف اليها انعدام تجانس سياسي. إذ لم يلبث الحزب ان انقسم بين مساندين للتحالف مع النهضة “بأيّ ثمن”، على قاعدة تقارب ذاتي\ايديولوجي غير مُعلَن (حتى لا ندخل في نقاش الطموحات الشخصية الأنانية للبعض) وبين من عارضه لرفض النهضة تمكين “المؤتمر” من وزارات سياديّة (تحديدا الداخلية والعدل التي طالب بها العيّادي وعبّو) تمكنّه من تنفيذ وعوده الاصلاحيّة “الجذريّة” (وكان ذلك السبب الأساس في ماحدث لاحقًا من انشقاق بقيادة عبد الرؤوف العيّادي). وكان الأمر الأكثر تخييبًا للآمال غياب الملفّات الاقتصادية والاجتماعيّة عن طاولة المفاوضات (عبّرتُ عن ذلك وقتها في مقال من جزئين). بعدها لم يلبث المرزوقي ان قبل بالتنازل عن ما طالب به في البداية من وزارات مقابل تحقيق ما رأى البعض انّه طموح شخصي طاغٍ بالوصول الى قصر الرئاسة بقرطاج. ونجح البعض للأسف في اقناعه – والأرجح أنّه تكفّل باقناع نفسه - بأنّه قادر رغم الصلاحيات الهزيلة التي تركتها له “النهضة” على ان يلعب دورًا محوريًا في سياسات الثلاثي الحاكم.
ومع ذلك كان هناك بصيص أمل ان ينتهي الرجل، وبعض من يحيطون به، الى استخلاص النتائج الضرورية من تجربة الحكم الائتلافي – من موقع تابع – مع حركة النهضة (لا داعي لذكر حزب “التكتّل” الذي تحوّل الى جهاز فارغ لا هدف له غير تحقيق الطموحات الشخصية لزعيمه بن جعفر). خاصّة في ظلّ توقّع مُبرَّر بأن يسعى المرزوقي، ولو بعد حين، الى محاولة طرح الملفّات الاقتصاديّة الاجتماعيّة والدفع نحو المحاسبة والتطهير والحدّ من اندفاع الشقّ الاكثر انتهازيّة في حركة النهضة (بقيادة الجبالي والبحيري) أو الشق الاقرب للسلفيّة (بقيادة شورو واللوز).
- الرئيس والانفصام الفكري\السياسي
رأينا مؤخّرًا من خلال ملفّ ترحيل المحمودي (الذي سلّمته النهضة مقابل 100 مليون دولار كما كشف عن ذلك موقع “ميديابارت” واعترف به ضمنيًا وزير المالية الديماسي) وملفّ اقالة النابلي وغيرها من المواضيع، مدى استخفاف “النهضة” بالمرزوقي وبمطالباته وبقراراته “الجمهوريّة”. لكن في الوقت الذي توقّع فيه البعض ان يفهم المرزوقي حقيقة الفخّ الذي دخله بقدميه، أصرّ الأخير على المضيّ قدمًا نحو حتفه السياسي. ومع كلّ موقف او اطلالة جديدة اتّضحت أكثر حالة “الانفصام الفكري\السياسي” التي يعاني منها الرئيس. إذ بعد أن “نسيَ” طيلة ثماني أشهر الحديث عن القضايا الاقتصاديّة الاجتماعيّة (لم يبادر حتّى الى تنظيم ندوة وطنية او دوليّة في “قرطاج” لمناقشة البدائل الاقتصاديّة الممكنة لتونس) تذكّر مؤخّرًا (تحديدا في ندوته بقفصة قبل أسبوعين) ملفّات الديون الخارجية ومحاربة الفقر والاصلاح الزراعي. قبل ذلك كاد الرجل ان يتخصّص في مناقشة القضايا الفكريّة. بل وبدا بعيدًا عن الواقع الذي تعيشه البلاد. ففضلاً عمّا يذكره البعض عن مزاجيّته وعن عدم استماعه لنصائح بعض مستشاريه، يَذكُر أحد ضيوفه بالقصر كيف أسرّ له الرئيس بأنّ “مهمّته هي انقاذ تونس من الصراع بين من يريدون زاوج المثليّين ومن يريدون فرض الخلافة الاسلاميّة”.
وكان مقاله الأخير في موقع “الجزيرة” مؤشّرًا جديدًا على “ضبابية الواقع” الذي يراه المرزوقي. فالرجل يحدّد – عن حقّ برأيي – مهامًا ثلاث لتحقيق المصلحة العامّة. وهذه المهام تعبّر من جديد عن رؤية “وسط يساريّة”. لكن سلوكه السياسي، منذ 23 أكتوبر، لا ينسجم مع هذه المهام \ الشروط التي حدّدها بنفسه. إذ أين كانت في اتفاقّه مشاركة النهضة في الحكم؟ لماذا لم يطالب – والالحاح في ذلك – بوزارات اقتصاديّة؟ لماذا لم يطالب ولو بوزارة الصحّة (وهو الطبيب الخبير بمجال الصحّة العموميّة وأهمّيتها في تغيير حياة الفئات الفقيرة) أو بوزارة التعليم (وهو يعرف مدى أهمّيتها في تغيير العقليات)؟ من أجل تحقيق ما يطرحه في مقاله كان على المرزوقي ان يبادر أوّلاً الى بناء حزب قويّ؛ حزب يشبه “صاحبه” فكريًا لا حزبًا يضمّ ضمن قيادييه ليبيراليين اقتصاديًا. الّا انّ المشكلة الأساسية بطريقة تحليله تكمن برأيي في اعتقاده الضمني انّ الشرط الأوّل (مسألة التعايش بين العلمانيين والاسلاميين المعتدلين) أهمّ وأكثر أولوية واستعجالاً من الشرط الثاني، “الانتصار في الحرب على الفقر” ، كما وصفها. وهنا تبدو ربّما سذاجة بعض المثفّفين وسطحيّة التفكير “المثالي” (الذي انتقده ماركس عند هيجل). إذ كيف تستطيع ان تُغيّر الواقع الاقتصادي الاجتماعي لبلد ما وأنت لا تملك حزبًا متجانسًا يجعل من ذلك أولويّته الأولى؟ كيف وأنت تتحالف ذيليًا مع حزب ذي توجّهات اقتصاديّة ليبيراليّة واضحة؟ كيف وأنت لا تملك الصلاحيات اللازمة لتجسيد رؤيتك؟ وأخيرًا لماذا تناسى المرزوقي هذا الشرط \ المهمّة طيلة ثماني أشهر كاملة؟!
مازلتُ أفضّل تفسير الأمر بالسذاجة السياسية للرجل وطريقته المثاليّة في التفكير (التي تجعله أقرب لليبيراليين منه لليساريين) على استنتاج انّ الأمر الوحيد الذي يقود تفكيره هو مجرّد طموح شخصي أناني جامح. في كلّ الأحوال، الثابت الوحيد هو انّ المرزوقي، ومن معه، ماضون في تضييع فرصة تاريخية لبناء قوّة “وسط يسار” فاعلة تحمي أهداف الثورة وديمقراطيّتها الوليدة الهشّة عبر موازنة القوى اليمينيّة الحاكمة – وتلك المعارضة كذلك؛ قوّة تمنع نقل الصراع السياسي من ساحة الخيارات الاقتصادية الاجتماعيّة الكبرى الى حلبة المهاترات الثقافويّة والهُويّاتية المدمّرة.
(عن "المشهد التونسي"، يُنشر المقال بالتنسيق مع الكاتب)
