شَهْوَة القَتْل المسْعورة

single

لا يمكن لدولة أن تعيش منذ قبل ولادتها بعقود، حين كانت لا تزال مجرّد حُلُم يلوح في عتمة الليل، أو فِكْرة يتقاذفها السياسيّون في ملاعب السياسة، ولا زالت بعد مرور ما يُقارب القرن في حالة حرب مستمرّة، دولة كهذه لا يمكن أن لا تُدرِّب جنودها على قتال التلاحم، ولا يمكن أن لا تلقنهم فنون هذا النوع من القتال. وإن كانت تّدرّبهم، وهي تدرّبهم حقّا، إذا ما الفائدة من هذا التدريب على قتال التلاحم، والقَتل يتكاثر مع تلاحم وبدون تلاحم. وإذا كان الأمر كذلك، هل القتل المتكرر يوميّا أو أسبوعيّا ناتج عن خوف حقيقي متغلغل في اللاوعي، أو هو شَهْوَةٌ مسعورة لقتل الطفل أو الطفلة، الفتى أو الفتاة، الرجل أو المرأة؟ وما تفسير هذا الهلع من فتًى قاصر يحمل أو تحمل مِفكّاً أو تشهر سكّينا يلمع عن بُعد؟.
 كلّ قوى الأمن المعنيّة حقّا بالأمن، في العالم كلّه والتي تسعى بأمانة لاستتباب الأمن، تحاول المستحيل لتجنّب القتل، حتى لو كان الطرف المُهاجِم يحمل سكينا أو مسدّسا، يجب دائما أن تكون هناك محاولة للسيطرة على المُهاجم دون إراقة دماء، تحاول بما تمتلكه هذه القوى المعنيّة بالأمن من خِبْرة وفنٍّ في مواجهة الأخطار، بالطرق السلمية الممكنة، بما تعلّمته من فنون قتال التلاحم كي تتجنب قتل النفس البشريّة التي حرّم الله قتلها.
 هذا القتل المتكرّر، يوميّا أو أسبوعيّا، على الحواجز، وعلى الطرقات، وعلى عتبات البيوت، وفي الساحات العامّة، يبدو ممنهجا ومبرمجا ومدروسا ومقصودا بكل شفافيّة، هذا القتل يحظى بدعم حين يكون القتيل عربيّا، ونادرا جدّا جدّا أن لا يكون غير عربي، هذا القتل للعربي لا يقيم اعتبارا للإنسان كإنسان، ولا يقيم اعتبارا للأخلاق أو لطهارة السلاح، هذه الأكذوبة "طهارة السلاح" يتباهَوْن بها ويصدّقونها، صارت تثير الضحك أو على الأقل البسمة المبطّنة بالشَّك والارتياب، أين طهارة السلاح في مقتل يعقوب ابو القيعان، أو في مقتل فتاة عمرها 15 سنة، بحجة أنها تحمل سكّينا ثم بعد الاستدراك تجوّلت السكّين مِفَكّا، وبعد مقتلها، عن بُعْد، أحاط بها القَتَلة وأخذوا، كالجَوْقة، يرددون الشتائم ويتمنّون لها الموت ثانية وهي ميّتة، كأنّ موتها أمنية يشتهون تحقيقها، وماذا نفسّر مقتل طفل عمره أيضا 15 عاما بـ 15 رصاصة. وقائمة القتل طويلة، أطول من أن تُدْرج بعشرات المقالات، آخرها مقتل أردنيين أحدهما نجار عمره 17 عاما والآخر طبيب يسكن عنده الحارس القاتل، ليس له في الأمر ناقة أو جمل، وما أن أُعْلِن عن الحادث حتى بدأت وسائل الإعلام بالإيحاء أن القتل على خلفية قومية ودينيّة، وأن الحارس اليهودي قتل عربيّا يريد قتل إسرائيلي، وعلى خلفية أحداث الأقصى، لم يحقّق أحد بالخلاف بين النجار والحارس قبل استنتاج النتائج العنصريّة، لم يسأل أحدا: ألم يكن بالإمكان منع القتل؟ وما أكّد هذا الإيحاء المشجع لقتل العربي استقبال رئيس الحكومة نتنياهو للحارس و"الطبطبة" على ظهره، وقد قال له لن ننساك.
 انفلات شهوة قتل العربي بهذا الشكل لم تولد من فراغ، إنها تُغْرَس في وعي الأجيال وفي لا وعيهم، تُلَقّن من خلال التربية اليومية، وتُعْتبر مكسبا سياسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا ومعنويّا، وتنمى على عدة محاور:
أحدها: رخص حياة العربي، ليس في ساحات الحرب فحسب، إنّما في الحياة اليوميّة، فهو عدوّ سواء حمل السلاح ولم يحمله، ومن المفضل "قتله قبل أن يقتلك"، و"أصلح العرب هو العربيّ الميّت".
ثانيها: غياب استنكار المجتمع، وقبوله لهذا القتل، وأبشع هذا الغياب حين يُقْتل جريح يحتضر، أو يُقتل القتيل ثانية بعد الرصاصة الأولى، ما يسمّى تأكيد القتل، وحدث هذا أكثر من مرّة، ولا زال "بطل إسرائيل" الأوّل أزاريا الموضوع الشاغل للمجتمع الذي يسعى ليس لتبرئته فقط إنما لمكافأته أيضا.
ثالثها: الاعتقاد حتى القناعة بأنه يحق لليهودي ما لا يحق لغيره، ومسموح له بالقتل والاستيلاء على الأرض وعلى ما تحتها، وعلى البيت وعلى البحر والسماء، وكل ما لغيرهم لهم.
رابعها: انجراف العدالة لهذا المنطق ومحاولة تقنينه وجعله منطقا مقبولا، ومحاكمة المجرم أزاريا دليل على عجز العدالة وتليينها لإرضاء اليمين العنصري المتطرّف.
خامسها: مع إعفاء القاتل من العقوبة القانونيّة، بعد تحييد القانون، نرى إعفاء المجتمع له، ودعمه اقتصاديّا، فمعظم القتلة يكافئون بنموٍّ اقتصادي لم يكن قبل جريمة القتل، أو مكافأتهم بمنصب رفيع، أو مركز اجتماعي مرموق. حتى بات كثيرون من الشباب يتمنّون لو أنهم أزاريا، أو "زيف" الحارس في السفارة الإسرائيليّة في عمّان.
سادسها: قبول لدرجة الاعتقاد والاقتناع بأنّ الفصل العنصري ضروري ودمقراطيّ أيضا، واعتباره حقّا مشروعا وضروريّا ووقائيّا للوجود.
سابعها: صمت العالم عن الجرائم المتتالية في الحرب وفي الحياة االعاديّة، وتضامنه حين تكون الضحية إسرائيلية، يهب العالم من بيته الأبيض حتى بحره الأصفر للاستنكار. بينما يخيّم الصمت على العالم عند الاعتداء على شعب كامل بأبشع الجرائم، او عند الاعتداء على مقدّسات هذا الشعب.
في مثل هذا المناخ، السائد قبل الاحتلال عام 67، تنمو سياسة القتل، كشجرة تنميها السلطة، والمُجتمع، والعقيدة الدينية، وتتحول هذه السياسة إلى شهوة تتجاوز كل الحدود، لتصبح مرضا نفسيّا يوما ما سيقطف مثل هذا المجتمع ثمرات إرهابه.
قد يهمّكم أيضا..
featured

التمنطق بالمنطق

featured

عدنان الدِّيرزوري

featured

شمس فلسطين أبقى وأعلى منكم!

featured

ثورة مصر والتحرّك الفلسطيني

featured

هل من جديد في جعبة ميتشل؟

featured

بين الانتماء إلى المعركة الاجتماعية وأدلجة ضيق الأفق !

featured

وداعا يا اخي ابا رباح

featured

"مصائب قوم عند قوم فوائد"!