عندما رأيتُ صديقي عدنان من دير الزُّور، التي تقعُ شرق القطر العربيِّ السُّوريِّ على نهرِ الفُرات، خلال فترة دراستي الجامعيَّة في براتيسلافا عاصمة الجمهوريَّة السلوفاكيَّة، يلبسُ قميصًا جميلاً، علَّه جديدٌ أيضًا، سألتُهُ من أين لكَ هذا! أجابَ: مسكين هالفقير، عندما يراهُ النَّاسُ مرتديًا ثيابًا أنيقةً يسألونه "وَلَكْ إِمْنَلَّك"، وإذا كان مقتدِرًا مادِّيًّا، يقولون له مُتضرِّعين إلى المَولى العليِّ القهَّارِ، العاطي والمُعطي، أن يُباركَ له في ملْبسِه، بقولهم "ريتو مبروك عليك"..
الجدال عقيم إذا تطرَّقنا لمعنى الفقر والغِنى، الحرفيِّ، ومن هو الغنيُّ ومن هو الفقير، لقد جاء في مثلِنا الشَّعبيِّ: الفقير هو فقير العقلِ!
يقول الإمام عليّ بن أبي طالب: ما مُتـَّعُ غنيٍ إلا بما جاع فقير..
لقد أُثبتَ علميًّا (ماركسيًّا) أنَّ الاستغلالَ الطَّبقيّ، الذي يُمارسُهُ أصحابُ رؤوسِ الاموال من الاغنياء، يزيدُ من فقرِ الفُقراء ومن ثراءِ الاغنياءِ، فتتَّسعُ الهوَّة بين المُستَغَلِّ والمُستَغِلِّ، وتتحكَّمُ في رقابِ العبادِ طُبَيْقةٌ، لا تتعدَّى نسبتُها عددَ أصابع اليدِ الواحدة عدا الوُسطى! وتنعدمُ العدالةُ الاجتماعيَّةُ والرَّفاه والمساواة ولا يُسألُ الغنِيُّ، كما في أيَّام الفاروق عمر، من أين لكَ هذاَ؟ "لأنَّ هذا السُّؤال حرامٌ ومحرَّمٌ"!
"فسارقُ الوردِ مذمومٌ بفعلتِهِ وسارقُ الحقلِ يُدعى الباسلُ الخَطِرُ" (جبران خليل جبران).
فكم بالحريِّ إذا كانَ هذا الفقيرُ يُفتِّشُ عن لُقمةِ عيشِهِ في غابةِ الوحوشِ الكاسرةِ التي لا تعرفُ الرَّحمةَ ولا الرَّأفةَ ولا الرِّفقَ، وهنا نظلمُ الوُحوشَ المفترسةَ لأنَّها تفترسُ عندما تكونُ جائعةً، فحاجتُها تطلبُ منها الافتراسَ لتُسكِتَ جوعها، أمَّا الوحوشُ الرَّأسماليَّةُ، من بني آدم، فتنهشُ جسمَ العمال والفلاّحين وسائر الفُقراءِ والجياعِ من شعبِها في قمَّةِ شبعها، لإرضاءِ طمعِها وجشعِها وغريزتِها..
فالأغنياء هم سببُ الفقرِ والعوزِ والاضطهادِ والكبتِ والاستغلالِ وقائمةُ مثالبهم طويلةٌ، حيث ينظرون الى أيِّ عملٍ يقومون به من خلال مصلحتهم الضَّيِّقة وكم سيُدخِلُ هذا العملُ إلى جيوبهم من أموالٍ وكم يخدمُ ما قاموا به مصلحَتَهم، وأحيانًا ينجحون في تجنيد الفقراء إلى جانبهم، من خلال وعودهم التي ينكثونها حال وصولهم مآربهم، وتجنيبهم من رؤيةِ أسبابِ حياتهم المدقعةِ حتى لا يخرجوا إلى النَّاسِ شاهرين سيوفِهم، حين لا يجدوا القوتَ في بيوتهم (أبو ذرّ الغفاري)..
يقودُ الأغنياءُ العالمَ إلى الحروبِ والتَّهلُكةِ والفتنِ وتغذيةِ روحِ الاحترابِ بين ابناءِ الشَّعبِ الواحدِ ويحوَّلون البلدَ إلى حقلٍ لتجاربهم والأهلَ إلى حيوانات تجريبيَّةٍ، وسوقٍ لبيع أسلحتهم وبضائعهم، مع أنَّ هذه الفئة لا تُشكِّلُ نسبة الوُسطى في اليدِ الواحدةِ..
تُرى هل يعرفُ عدنان أنَّ الغُربان الأعراب من قَطر الخطَر إلى المغرب المضطرب
ومن الرُّبع الخالي من عزمهِ وقومهِ إلى آل سلجوق من بني عثمان هم سببُ أزمة القطر السُّوريِّ الحبيب/أزمتنا، وهل يعرف الدِّيرزويُّ، كما نحن على علمِ اليقين أنَّ هذه المؤامرة ستفشلُ وتندحرُ وتهوي وتسقطُ، كما سقطت طائرةُ الـ "أِف١٦" الحربيَّة السَّلجوقيَّة المعتدية على بكارة عذراء الشَّام، في أعمقِ أعماق البِحار، أُريد مصارحةَ أعداء الشَّام، بما قاله المظفَّرُ:
"لستُ خجولاً حينَ اصارحُكُم بحقيقتِكُم، أَنَّ حظيرةَ خنزيرٍ أَطهرُ منْ اطهرِكم"
إن كانوا يعلمون أو يعون أو يفهمون معنى الطَّهارة..
