قطعت الوفود العربية، ثلاثين ألف كيلو متر؛ كي تصل إلى منتجع الكاب كانا على البحر الكاريبي؛ لتلبي دعوة الرئيس باولوا فرنانديز رئيس جمهورية الدومنيكان، للـمشاركة في مؤتمر تضامني مع الشعب العربي الفلسطيني، من أجل الإجابة أو البحث عن إجابة لسؤال جوهري مفاده: لـماذا تعثرت مبادرات تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما هي الحلول الواقعية الـمقترحة للتوصل إلى نجاح تسوية معقولة توفر للفلسطينيين استرداد حقوقهم، وتوفر الأمن للإسرائيليين كي يعيشوا دون قلق ويتخلوا عن سياسة التوسع والهيمنة ومصادرة حقوق الشعب الفلسطيني ووضع حد لعذاباته وإنهاء الصراع بكافة أشكاله بين الشعبين ؟؟ .
سؤال جوهري فرض نفسه على الـمشاركين الأردنيين ووفدهم (الـمكون من طاهر الـمصري ومعروف البخيت وجواد العناني وحمادة فراعنة)، وعلى الفلسطينيين بمكوناتهم الثلاثة من مناطق العام 1948 (أحمد الطيبي) ومن مناطق العام 1967 (السفير الـمتقاعد حسن عبد الرحمن) ومن مناطق الشتات والـمنافي (مصطفى أبو نبعة، من الدومنيكان) و (زياد العسلي وشبلي تلحمي من الولايات الـمتحدة)، وكذلك على وفد مصري مهم، والسؤال هو لـماذا الدومنيكان، وما صلتها بالـمنطقة العربية وفلسطين بالذات والتي تبعد عن منطقتنا أكثر من 15 ألف كيلو متر في أميركا الوسطى اللاتينية، وما الذي تستطيع تقديمه العاصمة سانتو دومينغو ذات الإمكانات الـمحدودة ؟؟.
أولاً ــ الوفود العربية الثلاثة الـمشاركة لـم تتردد بالاستجابة للدعوة على الرغم من مشاق الرحلة وطولها، وعلى الرغم من إدراكها الـمسبق بتواضع النتائج الـمتوقعة، من مثل مؤتمر كهذا، ومن بلد غير فاعل، ولكن الـمشاركين العرب راهنوا على الإنجاز الـمتواضع وصولاً إلى عمل تراكمي يطوّق السياسة الإسرائيلية وصولاً نحو عزلتها وهزيمة برنامجها الاستعماري التوسعي.
ثانياً ــ البلد الـمضيف ورئيسه الـمثقف الـمطّلع أثبت للـمشاركين العرب، أنهم موضع ضيافة تليق بجهدهم ورحلتهم، مثلـما أثبت لهم أن لديه عزيمة ورغبة في العمل وتلقف الاقتراحات باهتمام بالغ مما يعكس تطلعاته لعمل شيء سياسي، ويترك أثره على بلده الـمتواضع، مثلـما يترك لنفسه الرغبة والتطلع نحو أن يكون شخصية دولية حاضرة، سواء وهو في رئاسة الجمهورية أو بعد تقاعده ليتحول نحو العمل والتفرغ لـمؤسسة غير حكومية، يقف على رأسها وهي التي تولت الدعوة والإشراف وتأكيداً لذلك تفرغ لثلاثة أيام لـم يترك خلالها قاعة الـمؤتمر ساعة واحدة، بل استمع لكل الكلـمات وسجل كل الـملاحظات وناقش كل الاقتراحات بما فيها زيارته للـمنطقة العربية في آذار الـمقبل ليصل فلسطين والأردن ومصر، بعد أن تقوم سفيرته في القاهرة بتقديم أوراق اعتمادها كسفيرة غير مقيمة للدومينكان في كل من عمّان ورام الله.
الرئيس فرنانديز أجاب عن السؤال: لـماذا تهتم بلاده بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي بقوله:
أولاً ــ إن شعبه لديه مكونات من أصول عربية ويهودية، وإن الصراع يعكس نفسه على مكونات شعب الدومنيكان، وهو معني ببقاء التعايش والـمواطنة والـمساواة والأمن في بلاده، ولذلك فهو مكلف من حزبه ومن شعبه القيام بهذه الـمهمة النبيلة كي تنعكس بالأمن والاستقرار على مكونات شعبه واستقراره.
ثانياً ــ إن نتائج الصراع في الـمنطقة العربية أدت وتؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وبسبب ارتفاع أسعار النفط تزداد الـمشاكل والأزمات الاقتصادية في البلدان الرأسمالية الـمستهلكة للنفط، وبلاده تتأثر مباشرة من هذه النتائج.
ثالثاً ــ إن عدالة القضية الفلسطينية تستوجب الحل وفق قرارات الأمم الـمتحدة ذات الشأن والخصوصية، مما يستوجب بذل الجهود من كافة الأطراف الـمحبة للسلام والـمناهضة للظلـم والـمتضررة من استمرار العنف والحروب، من أجل إيجاد حلول واقعية لـمتطلبات حقوق الشعب الفلسطيني وإزالة الظلـم والتعسف عنه.
نتائج مؤتمر الدومنيكان أثمرت عن بروز عاملين مهمين:
أولهما ــ إن تداعيات ونتائج الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وصلت لجميع الأطراف الدولية ولـم يعد هناك مجال لإنهاء أو إلغاء مظاهر الاهتمام العالـمي بالقضية الفلسطينية، وما تسببه من انعكاس على مشاعر ومواقف الـمجتمع الدولي، واتساع مظاهر تعاطفه وإسناده لحقوق الشعب العربي الفلسطيني غير القابلة للتبديد أو التفريط أو البعثرة على الرغم من موازين القوى القائمة لـمصلحة التفوق الإسرائيلي على قدرات الشعب الفلسطيني الـمتواضعة.
ثانيهما ــ أبرز القدرة على الدور الفلسطيني الـمتعاظم بين أضلاع الشعب الفلسطيني الثلاثة:
1ــ فلسطينيو 48 أبناء الجليل والـمثلث والنقب ومدن الساحل الـمختلطة.
2- فلسطينيو 67 أبناء الضفة الفلسطينية والقدس والقطاع.
3- أبناء اللاجئين الفلسطينيين الـمنتشرين في بلدان الـمنافي والشتات.
فقد كان لرجل الأعمال الفلسطيني الأصل مصطفى أبو نبعة من قرية الزاوية في محافظة نابلس، الدور الأساس في عقد الـمؤتمر والدعوة إليه ودفع الرئيس للاهتمام بهذا الـموضوع، والإسهام بتمويله مما يعكس قدرة الفلسطينيين على التأثير على سياسات البلدان التي يعيشون فيها، وهم لا يترددون عن التعلـم من الجاليات اليهودية الـمؤثرة على سياسات البلدان التي يعيشون فيها كمواطنين نافذين لـمصلحة إسرائيل وأبرز مثل على ذلك تأثير اللوبي اليهودي على سياسة الولايات الـمتحدة، وعلى دورهم في التأثير على السياسة البريطانية حينما كانت دولة عظمى في وعد بلفور وفي جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود وكذلك في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية ولا يزالون، والتناغم بين الـمكونات الفلسطينية الثلاثة أحمد الطيبي وحسن عبد الرحمن ومصطفى أبو نبعة أدى إلى نجاح الـمؤتمر إلى جانب الدور الأردني الـمميز والـمصري كذلك.
أبو نبعة لهو دليل ساطع على ذلك، وما الـمؤتمر الذي دعا إليه رئيس جمهورية الدومنيكان وعقده في بلاده سوى التعبير العملي على دور فلسطينيي الـمنافي في دعم وإسناد شعبهم وقضيتهم، والعمل على استعادة حقوقهم على أرض وطنهم فلسطين، والعمل على كسب الـمزيد من الأصدقاء الدوليين والداعمين لعدالة قضيتهم ورفع العذاب والوجع عن شعبهم الفلسطيني الصامد على أرضه سواء في مناطق العام 1948، أو مناطق العام 1967.
h.faraneh@yahoo.com
