عوّدتنا الرجعيّة العربيّة أن تفرض على شعوبنا العربيّة سياسة النسيان والإلهاء والتضليل و...، لنعيش صاغرين ومذعنين وخانعين ومكبوتين و... وراغبين في نسيان سياسة القمع والنهب والفساد والاستغلال والاضطّهاد والاحتلال والعدوان و... ولنصرف الأيّام كالبهائم، كما تشاء لنا.
ثمة فئات واسعة من الشعوب العربيّة، التي قبلت بالنسيان المدفوع قسرا إلى أعماق ذاكرتها، من الثالوث الدنس: الاستعمار والصهيونيّة والرجعيّة العربيّة؛ فتحوّلت الاعتداءات على حقّ الشعوب بالحريّة وبالعيش الكريم، والعبث بمقدّراتها، ونهب ثرواتها، وقمع تطلعاتها... إلى ذكريات خاملة ومعرقلة في أعماق ذاكرتها الجمعيّة لكي لا تثير قلقها، واستثمرت النسيان كوسيلة للدفاع عن نفسها المقهورة، وانشغلت بالدين السياسيّ لحماية شخصيّتها الضعيفة والفاشلة (ميكانيزمات دفاع الأنا).
كعادتها، ستدفع الجامعة العربيّة كي تصبح الغارة الإسرائيليّة، يوم الأحد الماضي، على مركز بحوث عسكريّ علميّ في جمرايا في سوريا، ذكرى صعبة المنال لا تثير الشعور بالعزّة وبالكرامة وبرفض الإهانة والعدوان، ليتمّ كبتها في اللاشعور وحجزها في خلايا اللاوعي، حيث لا تؤثّر على المشاعر، ولا يمكن استدعاؤها وإيقاظها أو تحليلها واتخاذ موقف ضدّها!
إمعانًا في كبت مشاعر العزّة القوميّة وفي دفع الشعوب العربيّة إلى نسيان العدوان، يسخر "قادة" الحلف السنّي، من أردوغان إلى حمَد، من ردّ الحكومة السوريّة على الاعتداءات الإسرائيليّة المتكرّرة على سوريا وتهديدها بالردّ في الوقت والطريقة المناسبين؛ فنراهم يقفزون ليقدّموا التنازلات بالوكالة عن منظمة التحرير الفلسطينيّة، وباسم الجامعة العربيّة، للسيّد الأمريكيّ وإرضاء لتسيبي ليفني، وزيرة القضاء في الحكومة الإسرائيليّة!
تهدف وقاحة حمد بن جاسم، وتحريفه للمبادرة العربيّة بما يتّسق مع أفكار الإدارة الأمريكيّة، إلى إضعاف المفاوِض الفلسطينيّ أمام الغطرسة الإسرائيليّة، وإلى إنكار حقّ الشعب الفلسطينيّ بالمقاومة، وتشير إلى الثمن الذي دفعته صنائع حلف الناتو، مقابل شنّ الغارات الإسرائيليّة على سوريا لإضعاف محور المقاومة!
ينزع الوطنيّون والتقدميّون إلى الحدّ من العنف وسفك الدماء بين البشر، بإنشاء المؤسّسات والفصل بين السلطات وبتطوير الأجهزة القضائيّة وإرساء القوانين. مع تطوّر البشريّة انخفضت نسبة العنف وحدّته في العالم، لكن ما زال العنف يطّرد ويتعمّق في المجتمعات المتخلّفة والقبليّة، حيث لا يرفق الإنسان بالحيوان، ويسيء في تربية الأطفال، ويؤمن بالرقّ والعبوديّة وبملكيّة "المربية والشغّالة والبوّاب" ويمارس التجارة بالإنسان وبأعضائه و...لذلك؛ فأمثال حمد بن جاسم لا تهتزّ لهم شعرة، ولا يذرفون دمعة على الدمّ المسفوك في سوريا وفلسطين و...؛ بل يشجّعون على العدوان والرضوخ للاحتلال و...
لكن، مهما عظمت قوّة الخونة، ومهما وهنت هيبة المقاومة، فلن ينجح حمد بن جاسم وأشكاله في نقل ذرة تراب فلسطينيّة إلى إسرائيل، والعكس صحيح لعجزهم وتفاهتهم، ولن ينجحوا في تضليل الرأي العام الفلسطينيّ الذي يعتبر العدوان على سوريا عدوانا على قضيته الوطنيّة والقوميّة، رغم أنف ضعاف النفوس الذين سمحوا لحمد بن جاسم أن يزيّف إرادة الشعب الفلسطينيّ إلى حين، مقابل حفنة من الدولارات، وعلى أمل أن ينسى الشعب الفلسطينيّ حصّته من العدوان على سوريا!
همسة في أذن السلطة الفلسطينيّة: إن لم يجد الحرّ الأبيّ طريقه إلى حلّ أزمته، يشقّ له طريقا جديدة بأسنانه وبأظفاره، ولا يسلّم ذقنه للسافل النذل الذي يقايض بالأوطان ويتاجر بالإنسان!
