ثمّة مثل شعبيّ يقول: "الزلام مش بالشّوفات" وقد قال الشّاعر عبّاس بن مرداس قولا عظيم المعنى: ترى الرّجلَ النّحيفَ فتزدريهِ وفي أثوابِهِ أسدٌ مزيرٌ
ويعجبُكَ الطّريرُ فتبتليه فيخلفُ ظنَّكَ الرّجلُ الطّريرُ
وثمّة رجال مواقفهم كبيرة كبر نفوسهم الأبيّة عند الابتلاء لا يغريهم مال مسكوب ولا ذهب مسبوك، صوتهم ضميرهم وكرامتهم، هؤلاء لا يقدّرون بأثمان لأنّ نفوسهم غلت، وإن كانوا من بسطاء النّاس، ورجال مواقفهم صغيرة كنفوسهم الدّنيئة تسحل وتنبطح أمام المال فتُشترى نفوسهم بالآلاف البخسة فيرضى بصوته وضميره شيئًا لا يسواه، وإن كبرت أجسادهم وحسنت "شوفاتهم".
"أحمد السّليم" لِمَن لا يعرفه من الصّنف الأوّل رجل بسيط بسيط، وقد عاش مع المرض طيلة حياته، لكنّه مرح بحبوح وعصاميُّ يطيب لك أن تحادثه وتمازحه، وقد تعوّد أحمد السّليم طيلة عمره أن يصوّت للجبهة، وهو لا يعرف من الحروف إلا "الواو" لأنّه انطبع في وجدانه فلا تعرف يده غيره.
في الانتخابات الأخيرة حاول واحد من الصّنف الثّاني من الرّجال الذين ساوموا في سوق المال الانتخابيّ الفاسد والمفسد فسيمَتْ نفسه وكرامته خسفًا، حاول أن يجبر أو يغري "أحمد السّليم" بورقة اقتراع تحمل حرفًا آخر لا يعرفه "أحمد السّليم" ولكنّه يعرف بالتّأكيد أنّه ليس حرفه وليس ضميره وليس كرامته، فأبى إباء الكبير النّفس، إباء المناضل العنيد. لأنّ الحرف المزوّر معقوف "لفوق" أمّا الواو فيسير مستقيمًا إلى الأمام. وصرخ على مرأى من النّاس: "لن أصوّت إلاّ "واو" فصودرت بطاقته مِمّن صودرت استقامتهم وكرامتهم بالمال، فأبى "أحمد السّليم" مرّة أخرى، فحضر عابس الوجه معتزّ النّفس ومعتدًّا بصلابته وحكى حكايته في مقرّ الجبهة الانتخابيّ، فباركنا موقفه وأثنينا على رجولته وشجاعته، وشرب معنا فنجانًا من القهوة ومضى وهو يقول: "والله ما أنا مصوّت إلاّ واو لو بشنقوني ولو بعطوني مال الدّنيا".
غاب "أحمد السّليم" ساعتيْن ثمّ عاد منفرج الأسارير يختال ضاحكًا كأنّه ربيع البحتريّ، وكان بنفس الاعتزاز والاعتداد. فقلنا: "ما لك يا أبا سليم" فقال ببساطته مبتسمًا: " عاودت صوّتت واو بعد ما رجعولي الهويّة".
يا "أحمد السّليم" بك يُعتزّ ويُفتخر وبمثلك من الرّجال تبيضّ الوجوه وتُرفع الرّؤوس أمّا بنقيضك من الرّجال - إذا صحّ أن ندعوهم رجالاً أصلاً - فتسودّ الوجوه وتُنكس الرّؤوس. ولذلك استحقّ "أحمد السّليم" برأيي لقب بطل المعركة الانتخابية الأخيرة بلا منازع ومع مرتبة الشّرف الأولى. فلا خوف على شعبنا ما دام فيه هؤلاء الرّجال من النّاس البسطاء الكبار.
"أحمد السّليم" أنت فرد واحد بسيط، ولكنّك أعظم من الأفراد الّذين دُفع لهم جميعًا، وأعظم من الأحزاب الّتي دفعت ففسدت وأفسدت.
