بعد عشر سنوات من الانقسام البغيض: مطلوب بناء جبهة وطنية للخلاص

single

وقفة ضد الانقسام الفلسطيني على دوار الشهداء في جنين، اكتوبر 2016



مع استمرار الانقسام البغيض، وما أفرز من انعكاسات سلبية جدا، وعلى كافة المجالات، اقتصاديا،اجتماعيا، سيكولوجيا والأهم سياسيا، ورغم المحاولات الكثيرة التي بذلت والوساطات العربية والفلسطينية التي انبرت لوضع حد لهذا الانقسام البغيض ألا أنه وللاسف لا يزال جاثما على صدورنا بكل مآسيه ومخاطره.
تشكلت لجان وأجسام عديدة لمواجهة هذا الانقسام مثل: هيئة الشخصيات الفلسطينية المستقلة والتي أخذت تجوب البلاد على المستوى المحلي والاقليمي مكتفية باللقاءات مع النخبة والقيادات من كلا الطرفين، ودون كلل أو ملل من اصدار التصريحات والبيانات الاعلامية، لكن تماما مثل ذاك الشخص الذي يجلس على كرسي هزّاز ويتحرك، هو يشعر بالحركة لكنه لا يتقدم الى الامام قيد أنملة.
الحراك الشعبي الثاني كان "وطنيون لانهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية" والذي ضم بين صفوفه  شخصيات مجتمعية وكوادر وطنية بعضها كان فاعلا وناشطا في الفصائل الفلسطينية سابقا. تمكن هذا الحراك من جذب وضم العديد من الاطر والقطاعات على مختلف مشاربها الفكرية والسياسية وبادر الى تنظيم أنشطة وفعاليات شعبية تطالب بانهاء الانقسام.
لعلّ مبادرة الاسرى الفلسطينيين في داخل سجون الاحتلال الاسرائيلي، كانت هي المبادرة التي نالت شبه اجماع وطني وتبنتها غالبية القوى الوطنية والفصائل الفلسطينية، الا أنه وبفعل فاعل لم تنجح هذه المبادرة الوحدوية  الهامة.
لم يكن هذا هو الانقسام الاول الذي تشهده الحركة الوطنية على مر التاريخ الوطني الفلسطيني، اذ يمكنني القول بأنه لن يكون الانقسام الاخير. أقرّ بأن حلم الوحدة الوطنية الفلسطينية لم يكن يوما وفق ما نبتغيه ولكن على الاقل كان هناك  نسبة عالية من التوافق والظهور كجسد واحد حيال الامور والقضايا الوطنية المفصلية، كما أن  كل حالات الانقسام السابقة والمعروفة كانت سرعان ما تحتكم الى القرار الوطني المستقل وتعود الى حضن منظمة التحرير الفلسطينية ولو اتخذ بعض أطراف الانقسام ثوبا أو اسما جديدا بعدما تكون قد نسجت رؤية نضالية وبرنامج سياسي جديد.  
لا تكمن شدة خطورة  الانقسام الحالي في عمره الطويل، عشر سنوات من الضياع والتشتت واستغلال الطرف الآخر الفرص المتتالة لتنفيذ برامجه الاستيطانية والتوسعية، ناهيك الى ممارسات تحطيم الانسان الفلسطيني معنويا ونفسيا واقتصاديا.  ان ابقاء باب التدخلات الاقليمية، عربية كانت أو غيرها، مشرعا، ساهم ليس فقط في تعميق واطالة عمر الانقسام، بل أيضا استحالة نجاح أي مبادرة لانهائه والعودة الى حالة الوحدة الوطنية. 
لست هنا بصدد ادانة أو تبرئة أي من طرفي الانقسام، فكلاهما في رأي يتحملان المسؤولية وبدرجات متفاوتة، كما لا أريد الغوص في بحر التشخيص لمشكلة الانقسام حيث قام بذلك الكثيرون رغم أن المسؤول الاول والمباشر عنه واضح للعيان من خلال الانقلاب الاسود الذي تم قبل عشر سنوات.
 ما دفعني الى الكتابة هو محاولة اضافة شيء نوعي قد يشكّل بداية عملية لانهاء الانقسام. كثر الحديث عن ضرورة اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية لانهاء الانقسام وتم وضع رؤى ومقترحات وتواريخ عديدة. لكن للأسف لم يتم اعطاء فرصة لتجربة هذا المخرج على أرض الواقع. شخصيا، لست مقتنعا بأن الانتخابات المقترحة ستؤدي الى انهاء الانقسام، الا اذا تم بلورة اطار جديد ليخوض الانتخابات منافسا لطرفي الانقسام،  حيث ان تعنت أحد الطرفين ورفضه لاجرائها سيفشل الفكرة ولعلّ ما جرى في الانتخابات  مؤخرا للمجالس المحلية – الدورة الاولى – خير دليل، بل بالعكس عملت على تعميق حالة الانقسام أكثر وأكثر.
يوما بعد يوم، تتنوع الاقتراحات للخروج من حالة الانقسام هذه، فمثلا تردد ضرورة عقد مؤتمر وطني شعبي عام، حث الفصائل الفلسطينية الاخرى على عدم الاكتفاء بالتصريحات ودعوات الجماهير للعمل  ودعوات طرفي الانقسام الى اعادة الوحدة،أو اصدار البيانات والتوقيع على العرائض المطلبية،  بل واجب  جميع الفصائل الانخراط بخطوات عملية ملموسة ولو كانت باهظة الثمن لها لانهاء الانقسام، البحث عن آليات سهلة وبسيطة لتوظيف وسائل الاتصال الاجتماعي للضغط على طرفي الانقسام . هناك من اقترح فكرة العصيان المدني في غزة والضفة وغير ذلك الكثير من الاقتراحات، في رأيي طالما بقي نهج التربية الاقصائية ومواصلة نهج التخوين والتكفير  سائدين وثقافة  الانا بدلا من ثقافة النحن ودوام السماح للآخرين بالتدخل والهيمنة، فان أي مبادرة مهما تزركشت بشعارات وطنية خلاّبة لن يكتب لها النجاح.
أخذنا نشهد حديثا على الساحة الفلسطينية شعورا يتنامى يمكن وصفه بغياب هيئة / مرجعية سياسية فلسطينية وبالتحديد في القدس المحتلة ولعلّه أيضا وسط الشتات الفلسطيني.
إزاء الخطوات الاحادية التي يقوم بها طرفا الانقسام - لجنة ادارة غزة، وقف تغطية مصاريف الكهرباء، حسم من الرواتب ولاحقا  وقف رواتب البعض والتي في رأي لن تساعد على الخروج من حالة الانقسام هذا، بل بالعكس ستعمل على ترسيخه أكثر وأكثر وبانعكاسات سلبية ذات آثار طويلة الامد على مجمل أبناء الشعب الفلسطيني وقضيته؛
وازاء تسارع وتيرة الاستيطان ونهب الارض الفلسطينية بسبل عديدة، وأيضا تزايد التدخلات الاجنبية ومحاولات التدجين، ناهيك عن ارتفاع منسوب التطرف والكراهية، مع الاقرار بتفاقم الفقر والبطالة، وفي ظل  ما بتنا نعيشه من تسارع في حرب المصالح في المنطقة...؛
إزاء كل هذا أرى أن الا سبيل للخروج من معضلة الانقسام  ووقف حالات الانتحار والتدمير الذاتي لمشروعنا الوطني، ومن أجل النهوض بواقع شعبنا المرابط والبدء باستعادة الوحدة الوطنية، لا بد من   تشكيل جبهة خلاص وطني تعمل أولا على اعادة التقاط الانفاس والبدء باعادة بناء الذات للفلسطيني. تبنى  جبهة الخلاص الوطني هذه من مجمل أشكال الحراك الشعبي الذي أشرت اليه أعلاه، لتكون أداة ضاغطة على طرفي الانقسام وفق شعار "كفى للانقسام ومعا من أجل الحوار وانجاز المصالحة الوطنية"، ذات برنامج وطني يحدّد مسارات العمل برؤى جماعية وغير فئوية، مع التأكيد على أن  جبهة الخلاص الوطني المقترحة هنا  ليست بديلا عن منظمة التحرير الفلسطينية والتي هي بأمس الحاجة الى اعادة النظر في تركيبتها الحالية.
 تكون العضوية في جبهة الخلاص الوطني المقترحة هذه، والتي هي ليست حزبا سياسيا، من غير الفئويين ولا ذوي المصالح الشخصية، يتم تحشيد  قطاعات جماهيرية وأطر شعبية وقيادات مجتمعية عانت ولا تزال تعاني من نهج التهميش الذي يطبّقه طرفا الانقسام. يتم الدعوة الى عقد مؤتمر شعبي بمشاركة المبادرين للاعلان عن التشكيل وطرح برنامج عمل وطني تتلقفه الجماهير وتشرع في تطبيقه من أجل إنهاء الانقسام ومواجهة كل العابثين بمصير هذا الشعب.
(رام الله)

قد يهمّكم أيضا..
featured

شيء ما من الماركسية على تخوم الأول من أيار

featured

قامة فيروز وصغار المنتفعين!

featured

جريمة اغتيال

featured

صديقتي، ولٰكِنْ...

featured

القرحة الهضمية Peptic Ulcer (1-2)

featured

مجموعة المجرمين تدق طبول الحرب

featured

مقاومة شعبية للاستيطان

featured

أيها المعلمون، العالم صنيع أياديكم