عن عمر ناهز الرابعة والثمانين، شُيّع جثمان المربّي المخضرم، سلمان شحادة فيّاض في مسقط رأسه الرامة. وأمام هذا الموقف الجلل وهذه الشخصية الوطنية الرائدة لا يسعنا إلا ان نذكر بأنه عمل مربيا في مدارس حرفيش وبيت جن وعين الأسد، قبل وبعد النكبة. وانه قد تطوّع عام النكبة للجيش العربي للدفاع عن عروبة فلسطين، وفقد إحدى عينيه في معركة ضارية ضد الجيش الإسرائيلي. ثم عاد بعد أن وضعت الحرب أوزارها لمواصلة المهنة التربوية، وكان من أوائل المربّين الطلائعيّين كون الوظيفة لم تُسكت صوت الحق الوطني القومي بداخله، لذلك أقصي عن مواصلة رسالته.
كان صاحب قلم سيّال ومحدّث لبق، يعرف ماذا يقول وماذا يجب ان يقال أمام سلطان جائر. ومن أوائل المعارضين للتجنيد الإجباري الذي فُرض عُنوة على أبناء الطائفة العربية المعروفية.
عُرِضت عليه عدّة وظائف ترضية لتحويله عن مساره الوطني العربي، إلا انه رفض ذلك بإباء وشمم، فزاول الأعمال الحرّة المستقلّة ليواصل مشواره التقدمي، مكتفيا بالنزر اليسير. ولم يخش في الحق لومة لائم، حتى لو كان صوته نشازا غير مقبول في الأوساط الرجعيّة.. شخصيّة اجتماعية وطنية، جسّدت الكثير من القيم، المبادئ والتطلعات العربية التحررية. وكما يقال في مثلنا الدارج، كان "يشق العديلة من خصرها". وليس صدفة ان مجموعة أصدقائه، خلانه، أترابه ورفاقه، تخطّت الحواجز المذهبية والطائفية، وتخطّت بلدته الرامة، فكان سفيرا ثقافيا متجولا، يزرع البذور والأزاهير ويغرس الأشجار، في كافة أرجاء الوطن، داعيا للتمسّك بالأصول العربية وعدم الانسياق وراء دعاة التفرقة، والتقوقع والانطواء والانغلاق مع ما تخططه لنا أجهزة الظلام. ولم ينس عيد الفطر المصادر، شأنه كشأن أراضينا عامة.
كنّا نتردّد عليه دائما ليشحننا بالكثير من الشحنات الإنسانية، الوطنية والأخلاقية والتمسك بالجذور، رغم المحاولات البائسة لاقتلاعنا وتغيير مسارنا الشرعي الطبيعي، بعيدا عن التزلّف، النفاق والمراءاة.
كان المعلم الأول، رغم فصله من هذا الجهاز لغايات في نفس يعقوب، وان اختلفنا معه أحيانا في بعض المواقف والتوجهات، إلا أن اختلاف الرأي لم يفسد للود قضيّة.
نعم سيبقى سلمان شحادة "أبو مروان" منارة وقدوة ومشعلا رغم رحيله. وسيظل ارثه الروحي والفكري والاجتماعي والقومي المنفتح، شاهدا على هذا العصر وهذا الشعب في أحلك الظروف وأقساها.
ونحن إذ نُعزي أسرته الكريمة، ولا نعني فقط البيولوجية، او القروية، او الطائفية، بل الأسرة الإنسانية جمعاء، وأبناء شعبه العربي الأبي. نؤكد، مرة بعد المرة بأنه سيبقى مدرسة رائدة في الوطنيّة والقومية المتّزنة الراسخة كرسوخ زيتون الرامة وأهل الرامة الطيّبين. ونحن على ثقة تامّة أن هذا الإرث الذي تركه، لن يذهب هباء، بل سيمكث في أرضنا الطيّبة المعطاءة.
(حرفيش)
