الرفيقة العزيزة الراحلة أوديت نمر بين رفيقاتها - نموذج كفاحي وإنسانيّ يُحتذى
لا شك ان رحيل الرفيقة أوديت نمر كان خسارة كبيرة للحزب الشيوعي ولحركة النساء الديمقراطيات في هذه البلاد، خاصة وان الرفيقة أوديت من الرعيل الأول الذي عبَّد الطريق ولها دور هام في معارك شعبنا القومية واليومية منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي، ضد سياسة حكام اسرائيل العنصرية وضد الحكم العسكري وسياسة سلب الاراضي العربية ولها دور هام في تطوير عمل الشبيبة الشيوعية ومن ثم في تطوير العمل بين النساء على المستوى المحلي في الناصرة وكذلك على المستوى المنطقي والقطري.
كان لي شرف التعرف على هذه الرفيقة الثورية والمقدامة في المؤتمر الثالث للشبيبة الشيوعية في منطقة الناصرة في أواسط سنة 1954، حيث حضرنا عدد من رفاق الشبيبة الشيوعية في فرع عرابة بقيادة الرفيق ابراهيم شكري الذي كان سكرتيرا للفرع في ذلك الوقت، وأتينا الى الناصرة مشيا على الأقدام لأننا لم نكن نملك أجرة الباص في ذلك الوقت. ومن الطبيعي ان نبيت في الناصرة في بيوت الرفاق لأن المؤتمر سيستمر الى اليوم التالي، وكان نصيبي ان تأخذني الرفيقة أوديت للمبيت في بيتها ومن خلالها تعرفت أيضا على أخويها عزيز وحنا، ومنذ ذلك الوقت تربطني بهذا البيت علاقات رفاقية وأخوية متينة ومميزة، ومن ذلك الوقت عرفت بالرفيقة أوديت الانسانة الجريئة والمثابرة في النضال اليومي والعام ضد سياسة حكام اسرائيل العدوانية والعنصرية، وكانت دائما تقف في الصفوف الأولى في المظاهرات الجماهيرية ضد الحكم العسكري وضد سياسة سلب الأراضي ومن أجل حق شعبنا في تقرير مصيره، وكذلك في مظاهرات أول أيار في كل سنة، وفي أحداث أيار سنة 1958 كان للرفيقة أوديت نمر دور خاص ولم يكن صدفة انها الرفيقة الوحيدة التي سجنت في تلك السنة. وأذكر انه عندما أخذونا الى السجن كانت الرفيقة أوديت في نفس السيارة من الخلف وخلال سير السيارة عرفت اننا أيضا موجودون هناك فأخذت تتكلم معنا من غير ان نراها لتشجعنا على الصمود ومجابهة هذا الموقف بجرأة وعزيمة ثورية، ومن خلال هذا الموقف الجريء أعطتني الرفيقة أوديت مثالا في الجرأة والمثابرة والعمل المتواصل من أجل خدمة شعبنا وقضاياه العادلة.
للحقيقة والتاريخ انه كانت في تلك الفترة قلائل من النساء اللواتي يأخذن دورهن الطليعي في مجتمع ذكوري كمجتمعنا. لكن الرفيقة أوديت بالرغم من مثل هذا الواقع أخذت دورها الهام مع عدد من الرفيقات في الناصرة وباقي القرى والمدن العربية، من أجل رفع مكانة المرأة في المجتمع وأخذ دورها الكفاحي الهام الى جانب الرجل في مختلف مجالات النضال.
لقد كان للرفيقة أوديت باع طويل في تطوير عمل الشبيبة الشيوعية في منطقة الناصرة بين الصبايا والشباب خاصة، وانها كانت خلال سنوات طويلة عضوة في اللجنة المركزية للشبيبة الشيوعية وكذلك في سكرتاريا منطقة الناصرة وعملت مع الرفيقة في هذه الهيئات وعرفت بها المثابرة في العمل وفي طرح القضايا التي تهم الصبايا والشباب من أجل جذبهم الى صفوف الشبيبة الشيوعية، هذه المنظمة الشبابية التي كانت ولا زالت المنظمة الأكثر ثورية والتي كانت وما زالت الحرس الفتي للحزب الشيوعي.
للرفيقة أوديت دور هام في تطوير عمل ونشاط حركة النساء الديمقراطيات على المستوى المحلي والمنطلقي والقطري وكانت خلال سنوات طويلة سكرتيرة حركة النساء الديمقراطيات في منطقة الناصرة وعضوة في السكرتاريا القطرية للحركة.
منذ ان تعرفت على الرفيقة أوديت سنة 1954 حتى أيامها الأخيرة لم تنقطع علاقتنا الرفاقية والاخوية خاصة وانني لم اعمل معها في هيئات الشبيبة الشيوعية والحزب الشيوعي فقط، بل حالفني الحظ ان نسافر سوية للدراسة السياسية في تاريخ 1.9.1966 الى موسكو، حيث درسنا في معهد العلوم السياسية والاجتماعية على اسم "لينين" لمدة سنتين. ولا شك انني خلال هاتين السنتين تعرفت على المعدن الأصيل لهذه الرفيقة الخلوقة والانسانية فقد كانت تهتم بشكل انساني بجميع الرفاق المتواجدين في المعهد من حزبنا الشيوعي، حيث كانت الفرق تتجدد كل ستة أشهر حيث يأتي الرفاق العرب واليهود للدراسة في هذا المعهد الهام للحركة الشيوعية في تلك المرحلة.
رأت الرفيقة أوديت بدراستها في "معهد لينين" فرصة هامة من أجل توسيع معرفتها الأيديولوجية والفكرية والسياسية وكذلك التعرف عن قرب على الحياة في الاتحاد السوفييتي. وعلى هذا الأساس كانت مثابرة في الدراسة وتستغل كل وقت متاح من أجل توسيع معارفها في مختلف المجالات، وكانت تقضي وقتا غير قليل في مكتبة المعهد وكذلك في مكتبة لينين الضخمة الموجودة في موسكو.
مع كل هذا لم تنسَ دورها الرفاقي والانساني في بناء العلاقات الرفاقية مع جميع الرفاق من داخل اسرائيل ومن مختلف دول العالم الذين أتوا للدراسة في المعهد وبشكل خاص مع الرفاق من الاقطار العربية، حيث كانت تعقد لقاءات مع ممثلي مختلف الأحزاب الشيوعية وتتبادل معهم الآراء والخبرات. كما كانت نموذجا في بناء العلاقات الرفاقية والانسانية حيث كانت محبوبة ومحترمة من قبل جميع الرفاق الذين عرفوها.
لا أبالغ اذا قلت ان الرفيقة أوديت لم تكن بالنسبة لي رفيقة حزب فقط، مع أهمية هذا، بل كانت بالنسبة لي الرفيقة والصديقة والأخت بكل ما لهذا الكلام من معنى. كيف لا وهي التي بادرت مع الرفيق سالم جبران رحمه الله والرفيق عمر سعدي أمد الله في عمره، لشراء مختلف المواد للتحضير لحفلة زفافي من سوق الناصرة وتأتي مع الرفاق الى عرابة، الى بيت الرفيق عمر سعدي فقد كان من المقرر ان تقام السهرة هناك وهي التي تحضر للسهرة مع الرفيقة وفيقة سعدي أمد الله في عمرها حيث حضرها عدد من الرفاق من عرابة وخارجها. كيف يمكن لي ان انسى مثل هذه الرفيقة؟! الرفيقة أوديت كانت كل حياتها مثلا في العطاء والجرأة الثورية والمواقف الأممية. لقد عرفت الرفيقة أوديت على مدى أكثر من ستين عاما، لم نختلف خلالها على الموقف أبدا وكانت مثلا للإخلاص والتفاني في العمل من أجل قضايا شعبنا وطبقتنا العاملة.
وكما بقيت هي على مدى الحياة على هذا الطريق، نحن أيضا سنبقى أبدا على هذا الطريق، طريق العزة والكرامة الثورية. انني مهما تحدثت عنها لن أوفيها حقها.
لتبقَ ذكراها خالدة الى الأبد بين جميع مكملي دربها.
(عرابة البطوف)
