"روحية ادريس"

single
لم استطع ان اختتم حلقاتي عن مواجع روحية إلا بأن انقل لكم افراح وأعراس روحية وهي تحدثنا بحماس عن ثقافة الفرح التي كانت جزءا مركزيا من حياتها رغم الشقاء والبحث عن لقمة العيش في وقت سدت فيه الابواب أمام من تبقى من شعبنا في وطنه الغالي. وأكملت مفتخرة وبريق العز يشع من عيونها "من آل ادريس كان يشارك في الجاهة عبدالله ادريس "ابو حسن" وكان اسم زوجته حلوة من بيت الصفوري. لما اراد الزواج منها عارضت والدتها هذا الزواج وكانت "مفلوجة" فغضب عبدالله ادريس واخذ سلاحه وتوجه الى بيتها قاصدا اطلاق الرصاص على كل واحد يعارض زواجه من حلوة، وأولهن والدتها التي لا تريد تزويج ابنتها لخارج البلدة بسبب مرضها تريدها قريبة منها، ولما وصل عبدالله ادريس الى بيتها اطلق رصاصة على الباب فخافت الوالدة واستفسرت من الذي اطلق النار؟ فأجابوها: عبدالله ادريس يريد الزواج من حلوة فلما رأت هذا الغضب في عينيه وافقت على زواجهما. وأكملت "لم يكن اصحاب الجاهة ليشربوا القهوة إلا اذا وافق اهل العروس على طلبهم. وإذا رفض الطلب قام اصحاب الجاهة تاركين بيت اهل العروس دون شرب القهوة، دلالة على عدم رضاهم ولا يعودون الى بيت اهل العريس ومن هذا التصرف يعرفون بان جواب اهل العروس سلبي".
وقفزت بسرعة البرق الى الثورة والثوار وقالت "زمن الثورة عاد نايف رسلان من لبنان الى عبلين ولكن قبل ان يصل قبض عليه حسن سكران ويوسف الميعاري وحبسوه في خيمة وهما يشهران عليه بنادقهم، وخلال الليل غلب النعاس الحراس فقام نايف رسلان ورش السكن (الرماد) الحامي على وجههما وفر هاربا الى لبنان وهكذا لم ير اهله في عبلين. وقاسم ابو ضعوف كان مع الثوار وأراد الانجليز سجنه فحضروا الى بيت محمد ادريس ابو عاطف للتفتيش عليه اذ كان قاسم يتردد على بيت ابو عاطف. فقبل دخول الجنود الى البيت صرخ زوجي ابو عاطف بي ان اخفي المسدس فقمت وأخذت المسدس ووضعته في عش الحمام. وهكذا نجا ابو عاطف من تهمة حيازة السلاح. واللي كانوا مع الثوار حسب ما بذكر نعيم عبد النجمي ومحمد ادريس وحسين اسعد النجمي ابو حسن وعزيز اندراوس حاج كان مختار وقت الثوار وحسن محمود سكران ابو غازي وإبراهيم ابو غنيمة ابو الحداد وهادا اخذوه الثوار لمنطقة "الصنيبعة" على الجبل لمحاكمته بتهمة الخيانة والتعاون مع اليهود لحقوا ابو عاطف ادريس واخذ يتبادل اطلاق النار مع الثوار "وبالدوكه هاي" هرب ابو الحداد من ايدين الثوار وتخبا في مغارة بأرض البياضة التابعة لمحمد ادريس. وبعد اكم يوم حضر شخص وسأل عن محمد ادريس وأخذه معو الى القائد وقتها في كوكب ابو الهيجا الشيخ شحادة (فصيل من كوكب) لمحاكمته بسبب اطلاق النار على الثوار. وهناك ضربوه وعذبوه ولكن تدخل الشيخ شحادة حرروه لأنه اطعم الثوار ولما روح قلي والله لولا ما طعميت الثوار ما كنت ارجعت عالبيت. والثوار كمان اخذوا توفيق الناصر وطالبوا بمبلغ منشان اطلاق سراحه قامت اختو ليا الناصر زوجة حبيب الخوري بدفع المبلغ المطلوب وأطلقوا سراحه. وكانت العادة في عبلين ان يستقبلوا ويكرموا الضيف حتى لو ما بعرفوه. وفي زمن الثورة سنة الـ 36 كان المشايخ على حجارة بجانب معصرة ابو عيشة (دار حبيب توفيق الخوري – طريزة) ومرة حضر الثوار عالبلد فوجدوا بعض الشيوخ بجانب المعصرة فسألوهم اين يستطيعون الضيافة فأجابوهم اسألوا عن محمد ادريس ابو عاطف ولم نكن نملك الشعير حينها استقبلهم ابو عاطف وأكرم ضيافتهم ومن الجوع صارت الخيل تصهل فطلب ابو عاطف من قريبه اسعد محمود النجمي إطعام الخيل فقام اسعد واخذ المخالي( جمع مخلاة) وملأها بالشعير والقش واطعموا الخيل".
وحدثتني ابنتها نوخة ادريس بتاريخ 4-2-2007 في تسجيل لها:
 "امي كانت تجيد الغناء في الاعراس ومنها اغاني طلعة العروس من بيتها وكانت تغني:
مشي رجالك قدامك يا غصن البان
وأنا رجالي قدامي من ديرة بيسان
مشي رجالك قدامك يا ام المنديل
وأنا رجالي قدامي من ديرة الخليل
مشي رجالك قدامك يا ام الكبوت
وأنا رجالي قدامي من ديرة بيروت
مشي رجالك قدامك يا ام الدهب
وإنا رجالي قدامي من ديرة حلب
مشي رجالك قدامك يا غصن البان
وأنا رجالي قدامي من ديرة بيسان
ومشي رجالك قدامك يا مربوعة
وأنا رجالي قدامي من كل الضيعة
وأخيرا، اصبحت سيرة روحية غير ضائعة! وغدت سيرتها واقعة وذكراها عطرة بعطر الرياحين يفوح منها بعد ان رشوا ورق الورد الجوري على تابوتها قبل ان يوارى الثرى بجثمانها الطاهر... في جنات الخلد مأواه ابدا.
وأخيرًا لا بد من كلمة...
إن الاحتفاء بالذكريات التي تم تسجيلها اما كتابة او صوتا او صورة تفتح مساحات غير محدودة للمواجع والتي سأستمر بروايتها رغم صعوبة الحصول عليها لتكتشف ان الكثير منها عند كشفها تصبو الى الرواية الشفوية الرائعة. وعلى الموثق الذي يتناول الذاكرة الشفوية ان لا يخجل او يتراجع عن حقيقة المكان والزمان. حتى ليتساءل العديد من الذين قرأوا المواجع موجهين تساؤلات التعجب نحوي من اين لك هذا؟ فأرد بهدوء الواثق الصادق ان علاقة المحكي بالحاكي وثيقة ومترابطة بعد تسجيل الحدث والرواية بشكلها الامين الخالص دون رتوش وتزيينات وإطناب مبتذل وتجميل. وهذا الشكل السردي فيه سمات عديدة من الثقافة والتجربة المكتسبة التي اعدها وثيقة شاهد يمتلك حقيقة ما عن عصره. وفي استعادة ذكرى وذكريات ومواجع روحية التي نسجتها في حلقات كتابية وتم سردها تعبر عن جانب من تاريخ الناس في فلسطين.هم ابناء شعبنا الذين وقفوا بافتخار كالسنابل المكتظة بالحمل الغامر رغم ما حاول الزمان ان يلويَ قاماتهم الغزيرة بالحياة والتي ان تهاوت ملأت الحقل سنابل. فهم ملأوا حياتنا بأسطورة الصمود والبقاء احبوا وعاشوا كما اشتهوا ورغبوا، رغم وحشية الغازي الجديد الذي حاول ان يحكمنا بالنار والحديد في وطننا الذي لا وطن لنا سواه. وثبتوا بفطريتهم وبساطتهم تجليات الحياة في الحب والزواج والإنجاب والعمل والعلم والمقاومة. وبذكائهم الفطري لم يتركوا بلادهم ولم يصدقوا الرجعية العربية وما سمحوا للحركة الصهيونية بطردهم وتشريدهم حتى لو دفعوا حياتهم ثمنا لهذا الموقف، لأنهم عرفوا ان الارض باقية وأهلها باقون والاحتلالات مهما تعددت زائلة. هكذا فهمنا حركة التاريخ وهكذا حدثنا التاريخ.
(انتهى)
قد يهمّكم أيضا..
featured

حالة ضرورية وملحة

featured

لم يُعلّمْني لكنّه علّمَني

featured

المعارضات السورية بين مرجعيّتين

featured

تقاطعات دامية!

featured

شو بدّي أقول !!

featured

وعد بلفور مخالف لقواعد القانون الدولي

featured

10 أعوام على رحيل الشيوعي العريق الرفيق عيسى حبيب (ابو السعيد)