كلمة صدق وحق يجب ان تقال تخليدا لصديق عزيز ورفيق درب امين وثائر اهيل.
صداقتي مع الموحوم ابي عايدة تزيد عن الستين عاما بدأت تلك الصداقة المتينة عندما التقيت به صدفة في احدى قرى لبنان الجنوبي " تد رميش" تبعد حوالي الثلاثة اميال عن الحدود الفلسطينية الشمالية . كان المرحوم ابو عايدة عائدا من بيروت بعدما حصل على باقي حساب له من اجاره وتعويضه من دائرة الجمارك التي كان موظفا بها زمن الانتداب البريطاني على فلسطين برتبة "ضابط جمارك" وقد انتقلت هذه الدائرة الى طرابلس-الشام في لبنان بعد قرار التقسيم الجائر لفلسطين وتهجير اغلبية اهالي حيفا العرب من مدينتهم وكنت وعائلتي من الذين ارغموا على ترك منازلهم، وبين ليلة وضحاها اصبحنا من اللاجئين في وطننا العربي الكبير.
معرفتي للمرحوم ابي عايدة كانت قبل التقائي به في قرية "رميش" لان المرحوم ابي كان صديقا وزميلا لوالده في العمل في بلدية حيفا زمن الانتداب، وكان ابي دائما يحدثني عن المرحوم ابا عايدة كان شاب نشيط وذكي واديب ومن عائلة محترمة وعندما تقابلنا في تلك القرية اللبنانية الجنوبية اخبرته من انا واصبحنا اصدقاء ورفاق درب ومن عائلات كادحة تأكل خبزها من عرق جبينها وهذه هي صفات الثائرين المبدأيين اللذين يخدمون شعبهم ووطنهم وطبقتهم باخلاص دون مقابل.
والمرحوم ابو عايدة واحد من هؤلاء الثوار الكادحين المبدئيين الذين امضوا كل عمرهم يناضلون من اجل تغيير ومساعدة الطبقات الفقيرة بكل امانة واخلاص الى آخر يوم من حياته.
كان المرحوم ابي عايدة على علاقة مع عصبة التحرر الوطني التي كان معظم اعضائها من الشيوعيون العرب قبل الوحدة مع الشيوعيين اليهود وبعد الوحدة معهم اصبحنا ندعى "الحزب الشيوعي" في اسرائيل.
بعد سقوط حيفا وتهجير اهلها العرب عاد المرحوم ابو عايدة الى قريته المغار وبدأ بتنظيم واقامة فرع"للحزب الشيوعي" فيها رغم الارهاب والملاحقة من اعوان الحكم العسكري وحاولوا عدة مرات الاعتداء عليه وعلى الذين يؤيدونه، وانا كنت واحدا منهم وكانوا دائما يهاجمونا بالحجارة والعصي عندما كنا نوزع جريدة الاتحاد لمنعنا من القيام بتوزيعها لكننا صمدنا وتابعنا المسيرة بفضل صمود وشجاعة واصرار المرحوم ابي عايدة وموقفه الجريء والواعي والمثابرة وكان الحجر الاساس لاقامة اول فرع للحزب الشيوعي في قريته وبمساعدة رفاق الحزب في قرية عيلبون المجاورة التي كان فيها فرع للحزب قبل تأسيس فرع في قرية المغار، وكلانا يعرف لماذا كانت نتائج الانتخابات الاخيرة في المغار وحصول الحزب والجبهة على نسبة محترمة من اصحاب حق الانتخاب وكل ذلك بفضل الاساس الصامد والقوي الذي بناه المرحوم ابو عايدة .
احب المرحوم ابو عايدة مدينة حيفا جدا لانه نشأ وتعلم في مدارسها وكان من المتفوقين وأحب اللغة العربية حبا عظيما وكان يحفظ عن ظهر قلب المئات وربما الالاف من ابيات الشعر العربي وخاصة لشعراء وطنيين وكان له ذاكرة عجيبة في حفظ الشعر، وكان يتبارى مع شعراء العربية من امثال المرحوم عصام العباسي وغيرهم وعندما كنا نجتمع سوية في احدى "البراكيات" من مخلفات الجيش البريطاني التي كنا نسكن بها مع رفاق من الحزب الذين كانوا معتقلين في سجن "ابو عجيلة" المصري وحرروا بعد انسحاب المصريين في منطقة غزة 1948 ، جاء معظمهم من مدينة حيفا منهم المرحوم اسعد مكي والمرحوم علي عاشور والمرحوم مدحت الشعار والمرحوم محمد خاص والمرحوم محمد العش وعودة الاشهب وصالح عبد الرحمن اطال عمرهما، وغيرهم من الرفاق الشيوعيين من حيفا وقد اطلقنا على تلك البراكية اسم "القصر الشتوي" الذي كان مأوى لجميع المشردين والكادحين الذين لا بيوت لهم وكنا عائشين سوية في"كومونة" نأكل سوية ونتقاسم كل شيء بالتساوي وكانت تلك الفترة من حياتنا من اجمل الفترات من عمرنا وكان المرحوم ابا عايدة من الضيوف الدائمين عندنا والمرغوبين جدا.
كان المرحوم ابو عايدة من انشط الرفاق في فرع الحزب الشيوعي في حيفا وكان يوزع من اعداد جريدة الاتحاد اضعاف ما كان يوزعه باقي الرفاق "الكسالى" وعندما كان الحزب يعلن عن حملات مالية لسد وتغطية تكاليف النضال كان المرحوم ابو عايدة من اوائل الرفاق الذين يجمعون تبرعات اكثر من معظم الرفاق في فرع حيفا.
عمل المرحوم ابو عايدة في عدة اشغال شاقة مثل البناء و مصنع "للبلوكات" وبعدها في تعاونية الحزب وبعدها في مطبعة جريدة الاتحاد وعندما وفر بعض المال افتتح مكتبا في شارع الخوري لبيع ونشر الكتب التقدمية والثورية لتوعية شبابنا للحفاظ على لغتنا العربية ولجريدة الاتحاد ومجلة الجديد دور كبير في الحفاظ على لغتنا منعا للتجهيل التي كانت وما زالت حكومات اسرائيل المتعاقبة تحاول فرضه علينا وخاصة على شبابنا غير الواعين وطنيا او اجتماعيا.
الحكم على المرحوم ابي عايدة بالسجن لمدة سبعة عشر عاما بتهم امنية لم يمنعه من النضال داخل السجن لمصلحة المساجين بغية تحسين اوضاعهم المعيشية وقد قاد عدة نضالات واضرابات عن الطعام لمدد طويلة اكسبته ثقة المساجين واحترامهم وعندما حرر المرحوم ابو عايدة من السجن باتفاقية "النورس"بين احمد جبريل واسرائيل كان في استقباله في بيته العديد العديد من المواطنين تأييدا واعجابا بمواقفه الجريئة والمبدئية وتوافد العديد من الوفود الى بيته مهنئين من عرب داخل الضفة الغربية وهضبة الجولان اعجابا واحتراما لموافقة المبدئية وفي عدة مقابلات له مع الصحافة الاسرائيلية والتلفزيون ردد المرحوم ابو عايدة مواقفه التي ادلى بها في المحكمة ولم يتنازل قيد انملة عما قاله وفعله وقد اكسبته تلك المواقف احترام العدو قبل الصديق.
وفي نهاية هذه المقالة المتواضعة نعدك ايها المرحوم ابا عايدة ان تبقى ذكراك ونضالك وخدمتك لشعبك خالدة الى الابد، لانك ضحيت بكل ما اوتيت من قوة وارادة في سبيل شعبك الذي لن ينساك ابدا و خاصة اصدقائك و اقاربك لانك بنيت نظريتك على اساس متين كالصخر وليس على رمال متحركة تتطاير في الهواء لاقل نسمة هواء تهب عليها.
فألف رحمة على روحك ايها الرفيق والصديق المناضل المبدئي، والعزاء لافراد العائلة جميعا كل باسمه والى جنات الخلد يا ابا عايدة.
