رحل عنا د. أحمد سعد – أبو محمد من أبو سنان في يوم ذكرى النكبة، عن عمر ناهز الـ 65 عاما، قضاه في الكفاح والنضال العنيدين والمستمرين منذ أيام شبابه وحتى الرمق الأخير في حياته.
كانت مسيرة حياة فقيدنا كلها عطاء وبذلا وبدون حدود ولم يبخل بذلك قط، مما جعلته بين الخالدين ومن رموز أبناء شعبنا في الداخل والخارج.
عندما سمعت خبر وفاته صعقت وصدمت وحزنت، ووفاءً لدربه فقد اشتركت بمسيرة قرية مسكة المهجرة رغم اني كنت طريح الفراش وما زلت. وهناك وقفت بصمت وإجلال دقيقة حداد وحزن على روحه وقد شعرت بوحدة جماهيرنا العربية التي طالما نادى بها فقيدنا، لأنها مصدر القوة للنضال من أجل نيل الحقوق المغتصبة. تعرفت على فقيدنا لأول مرة عندما التقينا في مقابلة تلفزيونية، وكان آنذاك نائبا في الكنيست، فأصغيت لما قال وشعرت بارتياح لشدة حماسه من أجل تسوية عادلة لقضية شعبنا الفلسطيني، وكلامه كان مقنعا وفيه شعور انساني أصيل من الدرجة الأولى. ثم تعرفت عليه عندما أصبح يعمل في جريدة "الاتحاد" فكنت أحيانا أهاتفه لأسأل عن مقال لي لماذا لم ينشر، فكان يجيبني بروح أبوية لطيفة. وعندما كنت أراه في المجلس القطري للجبهة كان يداعبني ويقول لي "شو بتضع الاسم قبل الفعل"، وحقيقة تعلمت منه الكتابة الصحفية السياسية الصحيحة حيث كان يصحح لي أغلاطي اللغوية في مقالاتي، وقد فعل هكذا مع الكثيرين. ويعود ذلك الفضل لفقيدنا رحمه الله، هذا الفارس الراحل كان معلما أيضا في علم الاقتصاد، وهو صاحب شهادة الدكتوراة في هذا الموضوع، وكتب بعض البحوث، ومن بينها على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، كتاب قيم، فيه تحليل عميق وصحيح وقد تأثر جدا بالاقتصاد الماركسي-اللينيني-الاشتراكي حيث درس في روسيا، وهذا التأثير يتضح من هذا الكتاب وهو: اسرائيل في البنية الاستراتيجية الامبريالية، صدر سنة 1989، منشورات اتحاد الكتاب العرب في اسرائيل. وقد صدق الكاتب والأديب ابراهيم مالك في مقدمة الكتاب بقوله: إن الدراسة مميزة، موضوعية وعلمية جديرة بالاهتمام والتقدير حيث كشف بالأرقام والحقائق عن الطبيعة العدوانية للرأسمالية الاسرائيلية، وعرّى طابعها الاستعماري والاستغلالي في نهب خيرات المنطقة المحتلة. وبالاضافة إلى ذلك فمن يقرأ الكتاب يرى أن فقيدنا لم يترك مقالا أو كتابا أو نظرية بخصوص الموضوع إلا وقرأ ذلك والكتاب يوحي للقارئ بأنه كان مثابرا وصبورا وكُتب بلغة سهلة وسلسة مفهومة مع أن لغة الاقتصاد عادة مبهمة وصعبة الفهم، إلا على الاختصاصيين في هذا الموضوع، فعندما حدثت الأزمة الاقتصادية العالمية كتب عن ذلك مقالات طويلة ومستفيضة وكم كان صادقا في تحليله.
كان فارسنا الراحل، أيضا معْلما من معالم حياتنا السياسية والاعلامية والثقافية، وخصوصا في القضية الفلسطينية وأدب المقاومة وحق العودة، وأقولها بصراحة وصدق انه في مقالاته السياسية قد علم العرب جميعا عن طبيعة وفحوى ومغزى واحابيل ومكايد السياسة الاسرائيلية، وكان أحيانا يحذر من الوقوع في فخها وكان صادقا في ذلك. كتب فارسنا الراحل، في القضايا الاجتماعية العديدة وصدق من قال عنه انه كان "قاصا، محدّثا، راويا شعبيا لكثير من الحكايات الشعبية".
كلنا لا يزال يذكر قصصه التراثية الهادفة الملتزمة باللغة العامية الممزوجة بالأمثال في زاوية "صباح الخير" في جريدة "الاتحاد"، وكانت بليغة ومشوقة تدل على قدرة كاتبها وتمكنه من لغة الضاد والتي كانت أشبه بمادة "المعجونة" بين يديه. كما كتب الكثير عن قضية اللاجئين، وهو اللاجئ من قرية البروة وكان عمره حينئذ خمس سنوات، فذاق شظف المعيشة في طفولته وحتى انه اشتغل في البناء.
كان فقيدنا مكافحا حرا شامخا دافع بصلابة وجرأة وعناد عن القضية الفلسطينية وحلم وآمن بالعودة وكافح بدون كلل في سبيل حرية شعبه واستقلاله وحرية جميع الشعوب المضطهدة، وكان بذلك، الانسان الأصيل الشهم الذي تهمه حرية الشعوب والعدالة. أذكر أنه رغم المرض الذي أقعده كان يقاوم من أجل الحياة وسعادة البشر وحتى وهو على كرسي العجلات، كنت أشاهده في أول المظاهرات وهو على هذا الكرسي، كما لم يتغيّب عن اداء واجبه الحزبي وإلقائه المحاضرات الثقافية العديدة في النوادي الثقافية والحزبية عندما كان يُدعى لذلك.
كان فارسنا، رجل المحامل فقد حمل على كتفيه وفي ضميره وتفكيره وكيانه قضايا وهموم كل الشعوب وخاصة شعبنا الفلسطيني، وكان في ذلك بالاضافة لنضاله الكفاحي المثابر الميداني، المفكر الصادق والشامل في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي عادة ما تمتاز بالطابع الطبقي من حيث الاهتمام بالطبقات الفقيرة والمسحوقة وقد عانى بنفسه في طفولته من ذلك فشحنته وجعلته مناضلا مبدئيا حقيقيا. فرحيله كان خسارة مؤلمة جدا، وكان رجلا خلوقا ومتواضعا ولم ينس أن يهتم بأفراد عائلته فأعطاهم كل ما في استطاعته ليوفر لهم حياة رغيدة وكريمة وحسنة كما كان صديقا مخلصا وفيا لمن صادقه.
رحل عنا فارس العطاء، ورجل المحامل المتواضع. وعزاؤنا في تراثه ودربه، درب العزة والكرامة، وأدخله الله فسيح جناته وألهمنا جميعا وذويه وأقاربه وأصدقاءه ورفاقه جميل الصبر والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(ام الفحم)
