تمر الايام وتتلوها السنون، والذكريات تتدافع في مخيلة الناس، غالبيتها ذكريات أليمة تجسد احداثا وقعت في هذه الرقعة من الارض وتركت آثارها المروّعة التي يعاني منها شعبنا الذي تشرد منذ ايام النكبة، فهُجر من مدنه وقراه تاركا بيوته واراضيه ليتحول الى لاجئ في المخيمات في الدول العربية المجاورة او في القرى التي ظلت قائمة، ممنوعا من العودة، ومحروما من حقه الطبيعي في العيش الكريم في ارضه ووطنه كباقي البشر.
ولم يمض عقد من السنين حتى تم تشريده ثانية من المخيمات التي احتضنته، وتحول الى لاجئ جديد، ثم تبع ذلك تشريد ثالث ورابع وخامس، والعالم غافل عن هذه المآسي وعن مسبباتها، وآثارها المدمرة.
ذكريات كثيرة اليمة متتابعة نختتم بها السنة، كما كل سنة، منها قرار التقسيم وذكرى النكبة، ويوم الارض، ووعد بلفور، وذكرى يوم القدس، وشهداء مجزرة كفرقاسم، بالاضافة الى ذكريات التشريد من كل قرية فلسطينية والمذابح التي رافقت ذلك، احداث دفع فيها شعبنا الرخيص والغالي، وتركت جراحا في نفوسنا لا يمكن ان تنسى.
كل هذه الامور جرت في ظل حكومات الاحتلال والاستيطان، ومصادرة الاراضي، وهدم البيوت، وقطع الارزاق، نظام مبني على القهر والقوة العسكرية، ويمثله منظر الجندي المحتل وهو بسلاحه الكامل، يقف على الحواجز منذ 1967 مصوّبا بندقيته الى العمال والطلاب والفلاحين والتجار الذين يعبرون الحواجز التي قطّعت اوصال الضفة، يحاول ان ينشر في صفوفهم الاهانة والرعب، او يلاحقهم وهم يتظاهرون محتجين على بناء جدار الفصل العنصري، يقذفهم بقنابل الغاز والرصاص المطاطي، فاي تربية تربي هذه الحكومات شعبها؟!
ذكريات أليمة، تركت جراحا نازفة في قلوب ابناء شعبنا من الاقلية العربية، وقلوب مواطني الضفة والقطاع... ومع استمرار الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، وفرض القوانين العنصرية، وسياسة هدم البيوت، وتوسيع السجون، وتهديد الدول المجاورة، فان وعي الجماهير يزداد، كذلك تمسكها بحقوقها الطبيعية الشرعية، من قومية واجتماعية وسياسية.
رغم هذه الصور القاتمة للتجارب الأليمة التي مر بها ابناء شعبنا، الا اننا شعب متفائل بالمستقبل، ونؤمن ان صاحب الحق لن يضيع حقه حتى لو مرت عشرات السنين، وان غطرسة الاحتلال والاستيطان لها نهاية، وان الشرعية التي يناضل من اجلها شعبنا الفلسطيني، في اقامة دولته الفلسطينية في الضفة والقطاع، سوف تتحقق رغم كل مؤامرات السلطة.
وشعب الناصرة ينظر بتفاؤل الى المستقبل، فقد مر بتجربة صعبة وقاسية، قاسى من الحكم العسكري بعد تشريد شعبنا ولجوء الآلاف من ابناء شعبنا من قرى المجيدل، ومعلول وصفورية وعيلوط، قاسى من نظام التصاريح وتحكم السلطة بمصادر الرزق والعمل، قاسى من سياسة مصادرة الاراضي واقامة نتسيريت عيليت على اراضي مواطني الناصرة، قاسى من الملاحقات السياسية وتضييقات السلطة على حياة المواطنين في المدينة، وبشكل خاص على المناضلين السياسيين من شيوعيين ووطنيين، ولكنه عرف بالتجربة انه لن ينجح في افشال هذه السياسة سوى بالوحدة بين كافة قطاعات الشعب، وكانت النداءات المتتالية التي اطلقها الحزب الشيوعي لتحقيق هذه الوحدة، وهكذا نجحت الارادة الشعبية وتحققت انجح تجربة نفذها هذا الشعب باقامة جبهة الناصرة الديمقراطية بائتلاف الحزب الشيوعي مع رابطة الجامعيين ومعلمي المدارس الثانوية، ومع التجار والحرفيين واصحاب المصالح الخاصة، ومع الطلاب الجامعيين ابناء الناصرة، وحدة رائعة ضمت معظم قطاعات الشعب ونجحت في تفجير الاوضاع التي فرضتها السلطة، واكتسحت هذه الجبهة العريضة انتخابات بلدية الناصرة، لتزف لاهل الناصرة ولشعبنا العربي في المدن والقرى الاخرى بشرى ايصال بلدية وطنية مخلصة برئاسة الجبهة الديمقراطية وباغلبية في العضوية في المجلس البلدي وذلك بتاريخ 9 كانون الأول 1975، واوصلت القائد الشيوعي توفيق زياد ليكون اول رئيس بلدية في العصر الجبهوي.
وكان النصر حاسما وانتظرته جماهير الناصرة بفارغ الصبر، وانطلقت الاحتفالات في مراكز تجمع الجماهير، وتبادلت الجماهير والقيادات التهاني والانخاب. وكانت خيبة امل للسلطة التي راهنت على افشال الجبهة معتمدة على اعوانها التقليديين، ولكنها اكتشفت ان معظم من ظنتهم انهم من اعوانها كانوا الى جانب ابناء شعبهم في وحدتهم "الغلابة" التي اكتسحت كل العقبات.
وهكذا في السبعينيات من القرن الماضي التي تميزت بالسياسة الاسرائيلية المناصرة لامريكا والغرب، والمعادية لقوى اليسار وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، واذ بها تكتشف انه في عقر دارها تنتخب بلدية في اكبر تجمع للاقلية العربية، في الناصرة، يرأسها قائد شيوعي، وليس ذلك فقط فقد افرزت الانتخابات البلدية في باقي المدن والقرى نجاح قيادات شيوعية وجبهوية في تحقيق الانتصار المحلي، وامتد هذا النصر ايضا الى مدن الضفة الغربية.
كان رؤساء الحكومات الاسرائيلية يقضون كل انتخابات بلدية ساهرين قلقين ينتظرون نتائج الانتخابات في الناصرة، واهل الناصرة يخيّبون آمالهم في كل انتخابات من 1975 حتى اليوم ويوصلون القيادة الشجاعة والوطنية للجبهة الديمقراطية والتي يمثلها منذ خمسة عشر عاما رفيق توفيق زياد في الكفاح المهندس رامز جرايسي الذي حول الناصرة من قرية كبيرة الى مدينة عصرية، وطور فيها كل مرافق الحياة.
فهنيئا لجبهة الناصرة الديمقراطية هذه الانتصارات، وهنيئا لاهل الناصرة هذه النجاحات التي تحققت بوحدتهم، ووقفت سدا منيعا افشلت مؤامرات السلطة، وهكذا فوحدة اهالي الناصرة حققت ما عجز عنه حتى الآن كفاح شعبنا الفلسطيني من اجل حقوقه المشروعة، وهذا مؤشر للجميع انه بوحدة جميع الفصائل الفلسطينية تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية سيحقق شعبنا الفلسطيني حقوقه المشروعة في وطنه وارضه.
(الناصرة)
