كل عام وأنتم بخير

single

     عندما كنتُ صبيّا في خمسينات القرن الماضي كان العيد بسيطا مثل حياتنا، فكانت ملابسنا وأحذيتنا متواضعة وبسيطة، ولم تكن كذلك لأنّ النّاس كانوا يعشقون البساطة ويميلون إلى التّواضع بل لأنّ القلّة وضيق ذات اليد يفرضان التّقشف وهذا النمط من الحياة الّذي ملخصه "على قدر فراشك مدّ رجليك". ولم تكن الحلوى متوفرة - كما في هذه الأيّام – على أنواعها وأشكالها ومذاقاتها، فقد أبت الشّوكولاطة السّمراء والبقلاوة والكنافة والكاتو أن يخرجن من المدينة أو أن يعبرن عتبات بيوت العائلات المدنيّة الأرستقراطيّة، واكتفى النّاس بحبّات من الملبس وبالقطّين وبالهريسة الّتي تطبخها الأمّهات في الطّوابين أو الّتي يصنعها "سعيد العنبر" ويحملها في صينيّة واسعة على كتفه وينادي بأعلى صوته: يا ولد! اركض لعند إمّك، وهات شلنك! وكانت الحلوى السّائدة هي الكعك بعجوة وهو كعك العيد الأصليّ، وكان لا يختلف بطعمه أو بشكله في جميع بيوت القرية، وحينما قرأتُ في صغري في كتاب للكاتب توفيق الحكيم – الذي أحببتُ كتابته وأزعم أنّني قرأتُ كلّ ما كتبه – عن اختلاف طعم الكعك في بيت القاضي عن طعمه في بيت النّائب العامّ وعن إعجابه بالعين الواقعة بين الكافين، استغربتُ ذلك ففي مفهومنا القرويّ "كلّه عند العرب قطّين" والعرب في هذا القول تعني البدو، ولا فرق بين كعكات أمّي وبين كعكات زوجة المختار أو زوجة الإمام أو زوجة مدير المدرسة.
     كان العيد بالنسبة لي همّا ثقيلا على الرغم من أنّ والدي كان يشتري لي ملابس رخيصة ولكنها جديدة ويعطيني العيديّة، ما تيسّر من القروش، إلا أنّ صلة الرّحم كانت لا ترحمني، فقد كان لأبي عمّة عجوز أرملة ثكلت ابنيها الاثنين في نزاعات عائليّة ولبست الملابس السّوداء مثل الغراب وبقيت كذلك حتى فارقت الدّنيا. وكانت تسكن في قرية تبعد حوالي 7 كيلو متر عن قريتنا. وفي صباح كل عيد حينما كان أترابي يلعبون ويمرحون كان والدي يضع البردعة على الأتان ويأمرني أن أمتطيها ثمّ يضع أمامي سلة القصب الصفراء التي وضعت أمي الهديّة فيها للأرملة ويقول لي: "روح" عيّدْ على ستّك! ويناولني عنان الدّابّة. وأسافر في طريق جبليّ وعريّ موحش يمتدّ مثل درب الأفعى بين أشجار السّرّيس والبطم والسّنديان والقندول والبلان. وكانت الطريق تمرّ قرب خيام قبيلة بدويّة فيحاول أحيانا أحد صبيانها أن يعترض طريقي ليسلبني هدية ستّي أو قروشي القليلة فأتشاجر معه أو أحثّ الأتان على السّرعة والهرب،   فالهرب ثلثا المرجلة، وهيهات أن تستطيع الأتان الرّكض في طريق جبليّ.                                            وكانت هذه الجدّة بخيلة فلم تكافئني طيلة عمرها ولو بقرش واحد يعوضني عن مشقّتي وخسارتي لنهار العيد فلما ماتت تمثّلتُ بقول عائشة أمّ  المؤمنين: "استراحت وأراحت" !
      واليوم ونحن نحتفل بالعيد وأرى الأطفال والشبان والصّبايا يرتدون الملابس الجميلة الغالية وينتعلون الأحذية الحديثة الثّمينة ويأكلون الطّعام الشّهيّ والحلوى على أنواعها يغمرني الفرح وأترحّم على أيام الحرمان فلا يجوز على الميّت سوى الرّحمة إلا إذا كان هذا الميّت هو الاحتلال الذي نأمل أن ينقلع قريبا عن الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، فلا رحمة الله عليه !
      وكلّ عام وأنتم بخير، وشعبنا بألف خير !

قد يهمّكم أيضا..
featured

رحيل عميد القادة النقابيين المغاربة القائد النقابي محجوب بن الصديق الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل(1922-2010)

featured

موبقات اسرائيلية في السودان

featured

ضد التعذيب وضد الاستيطان!

featured

نقطة التحوّل المطلوبة

featured

ظلم ذوي القربى ...

featured

محمود اليطّاوي وسماسرة التسوُّل

featured

الركيزة الاساسية: الوحدة الشاملة للضحية