"ستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان " هذا بيت من قصيدة "قارئة الفنجان" للشاعر نزار قباني وقد قام بغنائها المطرب عبد الحليم حافظ، مع ان خيط الدخان الذي طارده نزار وحليم هو خيط الوهم والخداع الملون بالعشق الكئيب الحزين، الا أن خيط الدخان هذا قفز أمامي وأنا أرى وزير خارجية أمريكا الجديد جدا جدا جون كيري. ومن يتأمله يؤكد انه خرج من "خلاط" بعد وضع وجه كوندليزا رايس وهيلاري كلنتون ومادلين اولبرايت وكسينجر وغيرهم من وزراء الخارجية الامريكية الذين عبثت أصابعهم بالقضية الفلسطينية حتى أدخلوا عنقها الى المشنقة - وجه كيري هو خليط هذه الوجوه لأنه من اول تصريحاته أراد اغلاق الباب أمام الفلسطينيين.
كيري يبشر الفلسطينيين أن أوباما خلال زيارته لا يريد طرح أي خطة للسلام، لكنه يعتزم أن يصغي. لمن ؟! هل بعد كل هذه السنوات والمفاوضات واللقاءات والاتفاقيات والتنازلات يوجد مجال للاصغاء. فالكلام انتهى وتم اغتيال الحروف والعبارات، يوجد فقط الآن لغة التنفيذ، هذا هو طريق التفاؤل الذي فرشته السنوات والادارة الامريكية والدول الاوروبية والدول العربية أمام السلطة الفلسطينية التي استطاعت عبر "همس التفاؤل" ان تفرض على الواقع الفلسطيني المأزوم سياسة الهدوء أمام الاحتلال، إخماد نار المقاومة، ضبط الشارع وعدم رفع صوته، وغيرها من الضوابط المهينة وتحت مسمّيات وعناوين عديدة، التي ستحير غدا التاريخ الفلسطيني والحفدة.
كيري أقفل على المواضيع جميعها، واكتفى بأن حوّل الرئيس اوباما الى مجرد أذن بدون لسان، اوباما سيسمع ويمضي فترته الرئاسية وهو يسمع، ثم يأتي من بعده من الرؤساء ليكمل هواية السمع، كأن هؤلاء الرؤساء يتعاملون مع فرقة فنية تريد ان تثبت روعة غنائها، وليس هناك شعب يعيش تحت الاحتلال ويعاني يوميا من بطش وسلب وزنازين مفتوحة وحرية مفقودة وحصار وجدار عازل واستيطان حتى أصبح آخر الشعوب المحتلة على الكرة الارضية.
على الفلسطينيين ما دامت هذه السنوات لم تقدم لهم شيئا سوى فتات الدولة، أن يمتنعوا عن استقبال الرئيس الامريكي اوباما - سابقا زار كلنتون قطاع غزة فماذا قدمت له هذه الزيارة.
الشعوب التي ترفض زيارة أي رئيس ومسؤول سياسي تقوم بالمظاهرات ورمي الخضار العفنة أو اطلاق الشعارات الرافضة، لكن السلطة الفلسطينية سترحب وتحضن وتزرع الورود وتمنع وصول من سيعكر اجواء الزيارة التاريخية.
اقترح على السلطة الفلسطينية ما دامت لن تأخذ الرئيس اوباما الى المخيمات أو زيارة اسر الشهداء ولن يستطيع سماع أصوات الأسرى في السجون، ان يقوم بزيارة ترفيهية لحديقة الحيوانات في مدينة قلقيلية، حديقة جميلة ومبهجة لكن في العمق هناك معاناة وألم وتحدٍّ.
حديقة الحيوانات في مدينة قلقيلية هي حديقة الحيوانات الوحيدة في الضفة الغربية، تأسست عام 1986، والأرض التي تشغلها الحديقة كانت في السابق معسكرا للجيش الاردني، في البداية كانت مساحتها لا تتعدى عشرة دونمات ثم توسعت حتى وصلت الى 33 دونما، بالإضافة للحيوانات هناك العاب وقطار كهربائي واراجيح ودولاب متحرك وأيضا مساحات مغروسة بالأشجار والورود.
لكن بعيدا عن جمال الحديقة، نريد من الرئيس اوباما أن يصغي للحيوانات هناك لعل قلبه ومشاعره تتضامن مع الحيوانات ما دام لا يهتم للإنسان،لأن هذه الحيوانات تعاني يوميا من الاحتلال مثلها مثل الفلسطيني، فالحديقة محاطة بسياج عسكري اسرائيلي وهي محاصرة كذلك بالخنادق والجنود الاسرائيليين.
مثلا أثناء عملية "السور الواقي" في العام 2002 اصيب العديد من الحيوانات منها ذكر الزرافة "براوني" الذي جاء من حديقة حيوان في جنوب افريقيا، حيث أثناء اطلاق الرصاص اصيب بالذعر والخوف وأخذ يعدو حيث اصطدم بأحد الاعمدة المعدنية في الحظيرة ووقع وانكسرت رقبته ومات، أما الزرافة الأنثى "روتي" زوجة "براوني" فقد صدمت واجهضت جنينها وماتت، وقد تم تحنيط جنين الزرافة وهو في المتحف الموجود داخل الحديقة، ويستطيع الرئيس اوباما رؤية الجنين الشاهد على موته وموت امه وأبيه.
وأيضا أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدموع تجاه الحديقة وقد أدى الى تسميم وموت جميع حمير الوحش في الحديقة، اما قرد "البابون" فقد انقطعت أصابعه، عندما كان ممسكا بقضبان قفصه، عندما حاول الهرب في لحظة الذعر.
وقد ظلت القرود حية خلال المواجهات ولكن كانت تصيبها حالة رعب عند سماعها اصوات اطلاق النار، من نقطة عسكرية مجاورة لقوات الاحتلال، كما تفر وتصرخ القرود الى زاوية القفص، عندما يشير اليها شخص ما وهو ممسك بيده بالهاتف الجوال، حيث تعتقد بأنه ممسك مسدسا.
ومن الحيوانات المهمة التي نفقت في حديقة الحيوانات الفيل وعدد من الاسود. والاوضاع الاقتصادية الصعبة انعكست عليها، فالحيوانات لا تسمن حيث لا تحصل على كفايتها من الطعام (اما الدئب الجائع فإنه يمزق ويصارع كيسا يحتوي على رقاقات " الشيبس " حتى يتغذى عليها وهو في حالة من الجوع الشديد) وغيرها من صور المعاناة وقد اشار اليها كتاب (حيوانات فلسطين دراسات علمية حيوانية في ربوع فلسطين بين اعوام 1983- 2009) للدكتور علي بسام طاهر خلف اليافي، حيث اشار خلال دراسته أن الحيوان أيضا يعاني من الاحتلال مثله مثل الانسان.
الذي يعوِّل على زيارة الرئيس الامريكي اوباما وان زيارته ستجلب الحلول للقضية الفلسطينية، يذكرنا بما قاله ونستون تشرشل عن زميله "كليت أتلي" حين قال تشرشل وهو واقف امام مجلس العموم في لندن، أنه رأى سيارة فارغة ينزل منها "كليت اتلي" زميله من حقبة طويلة في رئاسة الوزراء البريطانية، وقد ضجت الاوساط السياسية والاستهجان لهذا الوصف الجارح. ونحن سنرى سيارة الرئاسة الامريكية فارغة عندما تحط أمام المقاطعة الفلسطينية في رام الله ومحمّلة بالهدايا أمام القيادة الاسرائيلية.
