في غرفة مغلقة بستائر سوداء مسدلة

single

كنت أتمنى حين عقد اجتماع القمة العربية في الكويت مؤخرا ان يوضع الى جانب دولة فلسطين مقعد فارغ يطلق عليه مقعد "النسيان" أو "التواطؤ العربي" أو "اختفاء الكرامة" في جميع الاحوال والكلمات تبقى حقيقة المقعد الفارغ هي العنوان الذي صمد وبقي فارغا  أمام قضية اوجدتها المؤامرات العربية والغربية، ثم تحولت الى كلام ثم صار الكلام ثرثرة وما زالت الثرثرة مستمرة بصوت مرتفع أو بصوت صامت أو كما يقال  جعجعة بلا طحين.
 مع أن هناك مبدأ في العسكرية يدعى "وضوح الهدف" فمن مبادئ الحرب الحفاظ على الهدف ولكي تحافظ على الهدف لا بد أن تعرفه وأن تعرف اتجاهك الذي يؤدي اليه الهدف، لكن هدف القضية الفلسطينية ضاع في سراديب وقاعات الاتفاقيات واللقاءات والانحناءات والغياب العربي، وضياعها في متاهات الانظمة التي تسعى لاحتوائها والهيمنة عليها والنطق باسمها حتى اصيبت بمرض الخرس أو قطع اللسان فدائما هناك من يتكلم وينوب عنها.
الدخول في نفق المفاوضات كان جزءا من مسيرة الشعب الفلسطيني والطريق الى قيام دولته وتحقيق احلامه، هكذا أشبعوا الشعب الفلسطيني مراجل الابتسامات والاحتضان والصور التذكارية التي تظهر فيها الوجوه الفلسطينية والاسرائيلية وهي  تنطق بالفرح الخفي واللحظات الحميمة، وقد تبين بعدها أن هذه المفاوضات فرضت واقعا جديدا فيه طعم المراعي الملعونة  ولعبة الخراف والذئاب، حيث تبدأ الذئاب برصد الخراف ثم الانقضاض عليها ونهشها وأكلها وبيع عظامها وصوفها في اسواق المزادات الاعلامية فقط، ولا تنتهي اللعبة بل مع كل جلسة تفاوض  تتسع الآلام الفلسطينية وتكبر جبال الهموم  وتنحسر مساحات الأمل.
المفاوضات باتت الساعات السانحة لتمرير مخططات الاستيطان وفرض واقع المستوطنات وسلب ما تبقى من مساحة الدولة الفلسطينية الموعودة، منذ البداية كانت العناوين تتفجر بالقهر وهي تعلن أن المفاوضات ما هي الا جسور تسير فوقها المخططات الصهيونية، وكنا نرى المفاوض الفلسطيني وهو تحت السكين العربية والاوروبية والامريكية ينفذ الأوامر دون نقاش واعتراض، يهز رأسه واذا اعترض فبصوت خافت سرعان ما يتبدد.
 نسمع البيانات التفاؤلية التي تعد بحل الازمات العالقة والافراج عن الاسرى، لكن الواقع كان يفرز هدما ومصادرة وبناء مستوطنات وتضييق الخناق على الحياة الفلسطينية اليومية واعتقال اسرى جدد، ولا ينسون طريقة الباب الدوار الذي يخرج من باب ويدخل من باب آخر، وكنا نطالب أن تفتح ملفات وصفحات المفاوضات او الفخاخ والمصائد وتكشف عما يدور في داخلها من تنسيق وملابسات وعلاقات براقة، وكانت السلطة الفلسطينية تتجاهل المطالبة بالشفافية وكشف حقيقة الاوراق أمام الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي كانت وسائل الاعلام الاسرائيلية تكشف الخبايا التفاوضية بالتوضيح والتفصيل  وطريقة تصرف وسلوك المفاوض الفلسطيني أمام شعبها، والشاعر الذي حاول أن يلخص المعادلة الصعبة  ويؤكد ان صداقة العدو قمة النكد (من نكد الدنيا على الحر – عدوا ما من صداقته بد) كنا نرى النكد يتقزم ويتلاشى أمام عدسات التصوير.
المفاوض الفلسطيني كان يتقبل النكد بوعود وزرع الآمال والأحلام كل مرة، حتى وصلت المفاوضات الى طريق مسدود، والمفاجأة أن الرئيس أبو مازن يقول:
عملية التسوية في مأزق والشعب الفلسطيني سيواصل الدفاع عن حقه بالمقاومة الشعبية السلمية، ونسأل هل عملية التسوية اليوم فقط في مأزق متى كانت تسير بدون مأزق؟ ولا نعرف ما هي المقاومة الشعبية التي يرددها أبو مازن بعد أن أغلق غرفته الرئاسية وأسدل الستائر السوداء  ولم يعد يرى ماذا يدور على أرض الواقع الفلسطيني المتعب والمنهك! 
يقال إن السياسي يلعب في السياسة حسب المسافة التي يطلق عليها "فن الممكن" واذا كان الرئيس أبو مازن قد اتخذ قرار التوقيع على خمس عشرة اتفاقية دولية والانضمام الى المنظمات التابعة للأمم المتحدة أمام وسائل الاعلام بكل ثقة دون تراجع، يكون الرئيس الذي أنقذ ما تبقى من الكرامة والحق الفلسطيني.
في التاريخ الكثير من القادة والزعماء مزقوا المعاهدات والاتفاقيات بعد ان وجدوا ان التاريخ سيلعنهم ويضعهم في خانات الشك والتخاذل وعدم المواجهة.
 أذكر النحاس باشا  الزعيم الوطني المصري الذي ألجأته الظروف والضغوط على توقيع معاهدة ترهن استقلال مصر بيد بريطانيا، حيث كان يومها يريد شراء الوقت وعندما أتى الوقت قال قولته التاريخية (باسم الأمة وقعت المعاهدة وباسم الأمة امزق المعاهدة).
إن المستقبل كفيل بمعرفة حجم الضغوطات التي تمارس على القيادة الفلسطينية وعلى الرئيس ابو مازن من قبل  الدول العربية قبل امريكا والدول الأوروبية، وغدا سنرى اللقاءات السرية وغير السرية والوجوه وهي تقتحم الوجع الفلسطيني وتنزع جلده كي تصنع منه أحذية للتسابق حول ملف المفاوضات، وعملية اقناع العودة الى الطاولة التي لو نطقت لكتبت مجلدات عن الاستخفاف والاستهتار في فن التفاوض،  لكن أيضا سنعرف مدى حجم الصمود وقوة المواجهة والقدرة على المحافظة على ما تبقى من الكرامة والحلم الفلسطيني.

قد يهمّكم أيضا..
featured

وضعت معركة الانتخابات المحلية أوزارها ... فماذا بعد ؟

featured

بيبي لا يحبّ اللون الرماديّ

featured

الأتراك الأبرياء وسياسات "السلطان"!

featured

اللقاءات السعودية الاسرائيلية هي الخطر الاكبر على الرياض!

featured

لمنع صك الطرد احتلالي

featured

وأعطي نصف عمري

featured

أعمدة وسنديان دولة فلسطين (3)

featured

بقية الفتات والقشور لن تغطي الشوائب