وأعطي نصف عمري

single

 كم كان رامي فرحًا حين استيقظ صباح الثاني عشر من تشرين الثاني الفائت، لأبشره بانتصار أهل الناصرة في الإنتخابات البلدية. قفز من سريره ليعانقني، والابتسامة البريئة تملأ محيّاه، وبريق الفرح يشعّ من عينيه الواسعتين الجميلتين، وقال لي بصوته الدافيء المستيقظ لتوِّه من النوم: مبروك بابا.
  نظرت في عينيه الفرحتين، حضنته بقوة حريرية، وأدركت من أعماق أعماقي، أنني مستعدّ لعمل كل شيء من أجل هاتين العينين، من أجل الحفاظ على هذه الإبتسامة وعلى هذا البريق.
  وجاءت حرب غزّة، وجاءت معها المجزرة، الجريمة، والملحمة، البطولة. ورأى رامي مع كل أطفال العالم، كيف تُغتال الطفولة وتُغتصب الإنسانية على أيدي هولاكو هذا العصر، أمام أعين العالم، دون أن يحرّك أحد ساكنّا، وسط التصفيق والتهليل اليوميين لكافة الأحزاب الصهيونية من أقصى يسارها إلى أقصى يمينها.
 شاهد بأمِّ عينه كيف تقتل آلة الحرب الإسرائيلية الهمجية الطفل وراء الطفل، غير آبهة بأبسط قوانين الإنسانية ونواميس الأديان كلها، وكان يسألني بحرقة: أليس هناك من يحمي هؤلاء الأطفال يا أبي؟ أليس هناك من يوقف هؤلاء المجرمين؟ هل هناك شيء يمكن أن نفعله نحن هنا، لوقف هذه المذبحه؟
  لم يكن لدي الجواب الكافي لطفل أكمل الأحد عشر ربيعًا قبل شهرين فقط، فالواقع مركّب وصعب أكثر بكثير من أن يستوعبه عقله الصغير البريء. لكنّي كنت أقول له إن لنا دورًا هامًّا ومفصليّا في رفع صرخة الاحتجاج لتدوّي عاليًا، عبر المظاهرة والمنشور والاجتماع وحملة الإغاثه، كجزء حي وواعٍ من الشعب الفلسطيني، سويّة مع رفاقنا من القوى التقدّمية اليهودية.     
    واليوم ونحن نقف على عتبة انتخابات الكنيست التي ستجري في العاشر من هذا الشهر، في ظل أشرس وأخطر هجمة على ابتسامة رامي وبريق الفرح في عينيه، يُطرح السؤال من جديد وبكل حدّه: ماذا علينا أن نفعل؟ وهل نحن قادرون أصلاً على فعل شيء ما؟

 

  بكل مسؤولية أستطيع أن أقرّر، أنه لم تكن المعركة على كياننا ووجودنا، مََََََََََرّةً، حادّة وواضحةً، كما هي عليه اليوم. فالدعوات العنصرية  والتوجّهات الفاشيّة قفزت قفزةً نوعيّةً هائلة حيث انتقلت من خانة المواقف الشاذة لبعض المهووسين، إلى خانة المواقف الرسمية وشبه الرسميّة، لقيادات حزبيّة ستشكّل، خلال أسابيع قليلة، الحكومة القادمة.
  فرئيس الحكومة القادم، نتنياهو (حسب الإستطلاعات) يعتقد أن أكبر خطرين يهدّدان أمن إسرائيل، هما الملف النووي الإيراني والعرب سكان الدولة !!!؟؟؟
  واللاهثه وراء كرسي رئيس الحكومة، ليفني، وهي شريكة كاملة في مجزرة غزة، تدعو العرب سكان الدولة، إلى ممارسة حقهم في التصويت، ولكن في الضّفّة !!!؟؟؟
  ووزير الحرب ومجرم غزة، براك، هو نفسه مجرم أكتوبر 2000 وقاتل الشهيد كمال ناصر ورفاقه  في سبعينيات القرن الماضي
  أمّا المأفون الفاشي ليبرمان، المنتمي إلى عصابة كاخ الفاشية في صغره، فقد فاق كل صغير وكبير، وبنى كل معركته الإنتخابية على العداء الأعمى للعرب ومحاولة إقصائهم عن دائرة الشرعية السياسية، كمقدِّمة لإقصائهم عن الشرعية الوجوديّة، وبكلمات أخرى، محاولة طردنا من بلادنا ضمن مشروع الترانسفير العنصري الذي يعتبره القانون الدولي، جريمة ضدّ الإنسانية.

 

  أمام هذا الواقع الصعب والخطير تقف الجماهير العربية في اسرائيل عشية الإنتخابات البرلمانية، لتقرر كيف تجيب على سؤالين اساسيين: الأول، هل نصوِّت؟  والثاني، لمن نصوِّت؟
 لكلٍّ منّا رامي خاصته، بعينيه الجميلتين، بابتسامته الملائكية الساحرة، بصوته الدافيء المتدفق حُبًّا و طفوله، بشقاوته "الشيطانية" البريئة. فلينظر كل واحد وواحدة منّا في عيني راميه، حبيبه، وليقرر هل يملك ترف الجلوس في البيت وعدم المشاركة في صنع مستقبل هاتين العينين؟ هل يحق له أن يتوانى عن أخذ دوره البسيط في الحفاظ على هذه الابتسامة؟ هل يسمح لنفسه ترك هذا الصوت وتلك الشقاوة يتأرجحان في مهب الريح، دون يد مسؤولة موجِّهة؟
   أعتقد أن الجواب واضح وضوح الشمس في منتصف النهار. المسئولية الوطنية اتجاه شعبنا والمسئولية الشخصية اتجاه أبنائنا وبناتنا ومستقبلهم، تحتّم علينا إلقاء كل وزننا في هذه الإنتخابات المصيرية، في كفة قوى السلام والحقوق القومية والمساواة المدنية، وضدّ قوى الحرب والعنصرية.
  المسؤولية تحتم على كل واحد فينا أن يدلي بصوته في الإنتخابات، وكذلك أن يضمن وصول كل من حوله إلى صندوق الإقتراع للإدلاء بأصواتهم.

 

  ليس الخيار صعبًا، فمن جهة، لا مكان للأحزاب الصهيونية بيننا، بل هو عار علينا مجرد التفكير فيها كإمكانية للتصويت بعد ستين عامًا من الجرائم والموبقات بحق شعبنا، من احتلال وسلب للأرض وتشريد وقتل واقتلاع وتمييز عنصري، وبالذات بعد حرب الإبادة على غزة، ومن جهة أخرى، تتفرّد الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بين باقي الأحزاب الفاعلة على الساحة العربية بعدّة ميزات هامة، تؤهلها لأن تكون الإختيار الصحيح والمسؤول، سآتي على أربعٍ منها: 

 

  أولاّ: للجبهة تاريخ نضالي حافل يشهد له العدوّ قبل الصديق، استطاعت من خلاله تسجيل ملاحم في تاريخ هذا الشعب، على صعيد البقاء والتجذر وحفظ الهوية والتطور. ونستطيع في هذا الباب أن نقرر أنه لم يكن بإمكان شعبنا البقاء والتطور مع الحفاظ على هويته وكرامته الوطنيتين، لولا وجود الحزب الشيوعي (قلب الجبهه النابض)، وبعد ذلك الجبهه.

 

  ثانيًا: على مدى أكثر من ستين عامًا قاد الحزب ومن ثم الجبهة نضال شعبنا، متسلحًا بفكر يساري تقدمي متنور، بنظافة يد، وبشجاعة ومسئولية، مقدّمًا التضحيات الغالية من جهة، لكن دون المغامرة غير المسئولة بمصير هذا الشعب ومصير قيادته، من جهة أخرى. 

 

  ثالثًا: بعيدًا عن التقوقع القومي أو الطائفي، فالجبهة حركة سياسية عربية-يهودية تتسع لكل إنسان بغضّ النظر عن انتمائه الديني أو القومي، الأمر الذي يعطيها قوة ومصداقية لتكون البديل السياسي المناسب والطبيعي لكل مواطن مناهض للصهيونية ومؤيد للسلام والمساواة في هذه الدوله. وهناك توقعات هامة لبشائر مشجعة في هذا الموضوع في منطقة تل أبيب، حيث يتجند مئات وآلاف الشبان والشابات اليهود  لنصرة الجبهه. 

 

  رابعًا: تتميز كتلة الجبهة في الكنيست وقائمة مرشحيها للإنتخابات، بدرجة عالية من المهنية مما انعكس على نشاطها البرلماني المثابر والناجح، حيث استطاعت الكتلة سن عدد لا بأس به من القوانين الهامة والوقوف في وجه تشريعات عنصرية مختلفه.   
  أخيرًا، المرحلة صعبة ومعقّدة وخطرة جدًّا، وتحتاج منا إلى قدرٍ كبيرٍ من المسئولية الوطنية والشخصيه. هناك حاجة ماسة لمن يقف بشجاعة ومسئولية وحكمة أمام الفاشية التي تسن أسنانها وتتأهب للإنقضاض علينا وعلى ما تبقى من حرّيات في هذه البلاد.
  إنها مسئولية كل واحد وواحدة فينا. فلنهبّ جميعًا اليوم الثلاثاء 10.2.09 ونعلنها مدوّيةً مع شعبنا وضدّ جلاديه، من أجل الفرح في عيون رامي، من أجل ابتسامته الساحرة، من أجل صوته الدافيء وشقاوته الذكية، سنملأ الصناديق بالواوات، واوات العزة والكرامة، واوات التاريخ المجيد والمستقبل المشرق، حتى يبزغ فجر الحادي عشر من شباط على انتصار آخر لنور الحياة على عتمة الموت، ونطبع قبلة أخرى على جبين الوطن.


 (الناصرة)

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

اتفاق أوسلو.. الفرصة الضائعة

featured

عصيان...اعتصام...حوار... معارضة... لجنة حكماء...! وغيرها من المصطلحات الملغومة في وصف الثورة المصرية

featured

من بلاط إلى بلاط وشو بهمه

featured

عدوان؟ إذًا مقاومة !

featured

يا أهلاً بالمعارك..!

featured

شبهات بالعنصرية تتطلب التحقيق

featured

ألدكتور أحمد سعد ( أبو محمد ) باقٍ في الذاكرة