مثلكم أنا تماماً...ألتهم ما يصلني من أخبار عن الثورة المصرية في التلفزيون والمواقع الالكترونية....!
ومثل بعضكم أنا تماماً... أستقي أخباراً طازجة لا تنشر في الإعلام العادي...من أصدقائي وصديقاتي في تونس ومصر والدول العربية عبر البريد الالكتروني والفيس بووك...!
لو يمكنني أن أتواجد هناك... أتحدّث مع الثوار وأسمع منهم عن ألامهم وأحلامهم...عن مخاوفهم وخططهم في أن معاً...!
لا أنجح عن بعد برؤية الشعارات التي يحملونها ولا اللافتات التي يرفعونها...ولا بسماع هتافاتهم التي يطلقون...
كل ما رأيته وفهمته يصب في خانة واحدة وهي المطالبة برحيل مبارك...!
مبارك الذي وجب أن يرحل منذ مدة طويلة جداً...ليس اليوم فقط...!
مبارك... ذلك الخائن، المتآمر، الجشع، البليد والانتهازي...لكم أن تضيفوا ما شئتم من صفات سيئة بما أنه قد وقع الآن... فكما يقولون:"عندما تقع البقرة،تكثر السكاكين التي ترغب بنحرها"....!
قبل ذلك كنا جميعاً نتحدّث في السر أو من خلال جلسات مغلقة...وقلّ أن كتبنا عن سفالة مبارك ورجالات نظامه أو عن الحكام العرب الفاسدين الفاسقين...وأسباب ذلك ليست موضوعي الآن...!
مثلكم أنا تماماً لم أتفاجأ من نظام حكمٍ استغنى عن التكنولوجيا وحجب الانترنت عن شعبه مستعيضاً عنها بالأحصنة،الجمال والبغال لترهيب المواطنين المتظاهرين...!صدّقوني لم أتفاجأ من ذلك رغم حزني الشديد،فحاكم سرق الأموال والأملاك من بلده وأهلها لا يخجل من فعل كهذا...من يطلق سراح المجرمين ويدفع لهم كي يرهبوا أهلهم وأبناء قومهم لم يبق في الدنيا ما يخجل منه...وبالتالي ليس غريباً أنه كلوح من الثلج أو كتمساح لا يشعر... فما زال متمسكاً بكرسيه وبمنصبه الذي حافظ عليه مدة ثلاثين عاماً من القهر والفساد...!
مثلكم أنا... لن أرتقي بمبارك حتى من خلال مقارنته بديغول وتشرشل وغيره من الزعماء اللذين قدّموا الكثير لشعوبهم ورغم ذلك نزلوا عند رغبة الشعب وتنحوا عن الحكم...!
لكن سأسمح لنفسي أن أتساءل وليس من باب اللوم والعتاب مطلقاً، أين كان الشعب طيلة العشر سنوات الماضية على الأقل...؟!لماذا لم تشهد مصر أم الدنيا ثورة قبل اليوم...؟ الخوف، القهر ولقمة العيش هي الموانع أليس كذلك؟هذا صحيح ..لكنها لم تعد اليوم موانع...لماذا؟ لأن الكيل قد فاض وقدرة الاحتمال انتهت فكان الانفجار والبركان الذي ملأ ميدان التحرير بالثوار والغاضبين من الشعب الفقير فاقد الحد الأدنى من كرامته في وطنه...!لا أعني طبعاً كسر شوكة شباب الثورة لكنني أخاف مثلكم تماماً على هذه النوايا الطيبة، الصادقة والمستعدة للموت فداءً للوطن...أخاف أن يغيّر الانتهازيون، الفاسدون بالتعاون مع أمريكا وعملائها من مسار الثورة ورؤيتها العامة بل وأن يقوموا بوأدها...خاصة وأن شباب الهبّة الشعبية المليونية لم يحسبوا حساب ضرورة تقديم خطة تفاوض وبدائل سياسية واضحة...فقد فاجئوا أنفسهم كما فاجئوا الجميع بهذه الهبة المباركة التي أتمنى لها أن ترتقي بالفعل لا القول لمستوى الثورة وتحقق أهدافاً جذرياً وتغييرا جوهرياً...!
كما علّمكم التاريخ، علّمني أنا أيضاً أن للثورات أسساً ومعايير تقوم على أساسها تختلف عن العصيان والهبة والاحتجاج وحتى التظاهر...إضافة للبرنامج الواضح والقيادة الحزبية الواضحة لا بد وأن تتكاثف كل القوى والجهود والأطر السياسية والاجتماعية والثقافية...!
فأين التغييرات والتحركات الفعلية في المؤسسات والأطر الرسمية وغير الرسمية عموماً...النقابات،المصانع والشركات،المؤسسات الإعلامية،الجامعات والمدارس والكليات،المسارح الوطنية...؟!أين الفنانون والفنانات ونجوم الفن المصري اللذين يتناحرون ويتنافسون كل رمضان على نسبة متابعتنا لاختراعاتهم الذرية وإبداعاتهم الفلكية؟أينهم الآن؟
لا أنكر وصول بعضهم لميدان التحرير...ولا أتغاضى عن بيانهم المؤيد لمطالب المتظاهرين والذي وقّع عليه حوالي مائة فنان مصري...لكن صوتهم غير مدوٍ وغير كافٍ لحد الآن... !
ها أنا ذا مثلكم أتابع منذ أكثر من أسبوعين ويدي على قلبي خوفاً من القادم...خوفاً من البديل أو بالأحرى اللا بديل...!
عمر سليمان؟يعني كما يقولون بالعامية"من الدلفة لتحت المز راب"...فانه كرئيسه تماماً وحتى أكثر فساداً،مؤامرة وسفالة...ها هو اليوم يخرج متوعداً الثوار بان الدولة لم تعد قادرة على تحمّل استمرار(اعتصام ميدان التحرير) أكثر من ذلك لأنه يتسبب بخسائر مادية باهظة للدولة، ولم أسمع من يرد عليه جهارًا "إن بقاء مبارك ونظامه في السلطة بات يكلّف الدولة والشعب خسائر بالملايين"...!
ألبرادعي...؟! أليس هو أمريكي التربية والنهج والموالاة...؟ فكونه معارضاً لا يعني أنه وطني نظيف...!فلنحذر الوقوع بهذا المطب الخطير!
بالمقابل ها هو أوباما يدعو المعارضة لحوار هادئ مع حسني مبارك من جهة، ويدعو الأخير لتلبية مطالب الشعب ومغادرة الحكم من جهة أخرى...!
أقول كما تقولون تماماً: إن نجحت ثورة شباب مصر بانجاز أهدافها في الحرية والديمقراطية وان نجحت بإسقاط الفساد والاستبداد بإشكاله المتنوعة...نكون قد حصدنا هذا النجاح جميعاً من المحيط إلى الخليج بمفهوم معيّن.
ومثلكم بالضبط أفكر بصوت عالٍ وأقول: إذا نجح أي حزب أيديولوجي تقليدي قديم، سواء كان حزباً دينياً أم دنيوياً، بانتهاز هذه الثورة والتسلق على ظهرها ليقطف ثمارها... فقد فشلت ثورة الشباب المصرية....!بالتالي سنفشل جميعاً أيضاً من المحيط إلى الخليج...وستكون المرة الأخيرة التي نرفع بها رؤوسنا مطالبين بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم في أوطاننا...!
علمّنا التاريخ -المُصِر على إعادة نفسه-أن الأحزاب الأيدلوجية وبغض النظر عن نوعيتها، إنما تتحول إلى مستبدة تعيث في الوطن فساداً بعد استلامها الحكم والسلطة...ومن هنا خوفي على الثورة وأبنائها ودماء شهدائها!
أسمع مثلكم تماماً ما يقوله الإعلام الإسرائيلي: بأن لا داعي للقلق أبداً ما دام لا ألبرادعي ولا الجيش ولا حتى الإخوان المسلمين...لا أحد يطالب بإنهاء الاتفاقيات مع إسرائيل....!
وما بين هذه الكلمات أخطر مما نراه على السطح.... والحق أقول إنني أراقب عن بعد وعن قرب وأهتم بقراءة الشعارات واللافتات التي يحملها المتظاهرون فلا أرى شعاراً يطالب بإنهاء الاتفاقيات أو حل كامب ديفيد...ليزداد خوفي فعلاً...!
فالأغلبية الساحقة تطالب بتنحي مبارك وسقوط الحكم...ليبقى السؤال ما هو البديل...؟!ماذا تجني الثورة إن تغير الرأس وبقي الجسم بكامل أعضائه المعطوبة فاقدة الضمير...؟!
أرتعد خوفاً من عدم استغلال الفرصة الذهبية هذه لإجراء تعديلات وتغييرات نحو الديمقراطية...وان لن يتم العمل فعلاً على تنظيف البلد من الفساد والفاسدين سياسياً أولاً وقبل كل شيء...!
أخشى مثلكم تماماً أن يبقى الوضع على ما هو عليه...فلا تتبلور قيادة واضحة، نظيفة وواعية لهذه الثورة...وأن يكتفي الشباب برحيل مبارك بعد أن يتعبوا من الوقوف في ميدان التحرير لأسابيع أخرى تضنيهم وتخير قواهم...!
أخاف كما تخافون تماماً من الانتهازيين بأنواعهم وأشكالهم وأجناسهم المحلية والمستوردة...!
أراقب المفاوضات ولا أقلل من شأنها...فعلى الأقل لم تعد حوارات وديّة كما يطيب لأوباما تسميتها... لكن كيف تفاوض حاكماً على تنحّيه من الحكم؟هل يعقل هذا بعد كل هذا الوقت؟ فما دام مبارك طرف تفاوضٍ فهذا دليل على الاعتراف به...وهذا الاعتراف إنما يقوّي موقفه أكثر ويزيد من شراسته واستبداده...
أراقب المفاوضين كما تفعلون تماماً فأرى أنهم ممثلون عن المعارضة وليس عن الثوار...فيزداد خوفي من القادم أكثر وأكثر...فمن فوّض المعارضة للتفاوض نيابة عن الشباب الثوار؟وكيف تسمح المعارضة لنفسها بطعن الثوار من الخلف والأمام بتثبيت مبارك ونظامه؟فهل يعقل أن تسعى المعارضة لتغيير النظام والدستور الذي يعترف بها كجزء منه...؟!
مثلكم تماماً أشعر بالأسى لاستهتار المعارضة بدماء الشهداء ومطالب الأحرار...!
"حين أسمع مصطلح لجنة الحكماء" أتساءل:ترى هل هذه التسمية تلميح بأن المتظاهرين والثوار أغبياء؟ وبالتالي لا ممثل لهم في التفاوض...؟فعينت هذه اللجان نفسها بنفسها ليصب كل ذلك في مصلحة مبارك ونظامه من جهة وليضمن المفاوضون الكراسي والمناصب لأنفسهم...؟!
أتساءل مثلكم تماماً، أيعقل أن تتحد أمريكا وإيران معاً لإفشال ثورة مصر؟!كما فعلتا في العراق؟ طبعاً مع الفارق في حيثيات الحالة واختلاف الطرف الذي تسعى أمريكا لتقوية موقفه...؟!أمريكا التي جل ما يهمها مصالحها وما يسمّى أمن إسرائيل من خلال الإبقاء على كامب ديفيد...؟!
وإيران التي تخاف من نجاح ثورة شباب مصر لأن ذلك يعني انعكاسات مشابهة بين الشباب الإيراني...وهو آخر ما تريده اليوم وغداً وبعد غد أيضاً...!
يخيفني جداً –كما يخيفكم- موقف الجيش المصري الواقف على حيادٍ نسبيٍ... فهذا الحياد الحذر إنما هو بأوامر الرئيس...!
نشير كلنا للإعلام المصري والعربي...فها هو ليس أكثر من ناقل للأحداث وليس صانعاً أو حتى مشاركاً في صنعها...وهو ما يدل على الكثير الكثير، والمخفي أعظم...فأين الإعلاميون الكبار من كل ما يجري...؟!
وهنا لا بد من الإشادة بموقف مدير الفضائية المصرية الذي استقال من منصبه ونزل لميدان التحرير...فالحالة اليوم بحاجة ماسة لمثل هذه القرارات والمواقف الوطنية من قبل ذوي مناصب في نظام مبارك...
سمعنا عن ألف وخمسمائة من أساتذة الجامعات المصريين اللذين وصلوا أمس إلى الميدان معربين عن تضامنهم مع الشباب المصري كخطوة غاية في الأهمية...لا بد وأن تتسع هذه الحلقة سريعاً....على أمل أن يطال الزحف الأطر الثقافية والنقابية الأخرى...
وقبل النهاية لا بد من تساؤل هو صُلب الموضوع برأيي، هل يجب أن يترك مبارك البلدَ والمنصب واللقب بكرامته كما يطالب البعض؟ هل هو فعلاً أحد رموز الجيش التي بنت مصر وارتقت به لدرجة يحق له بناءً عليها بمطالبة الشعب أن ينسى استبداده واستعباده؟ينسى ويتناسى الفقر والجوع والعيش غير الكريم على مدى عقود مضت...؟!
أيستحق مبارك هذا التكريم في آخر أيامه...؟هل يُسمح له بالتنصّل من جرائمه وعمالته لأمريكا وإسرائيل؟ وأن يخرج كالشعرة من العجين محتفظاً بأموال الشعب وكرامة الأمة التي داسها بقصد واختيار...؟!
أمواله وأملاكه التي تفوق ديون مصر كلها بأكثر من الضعف... أيسمح له -بمساعدة أمريكا وبريطانيا وغيرها من الدول التي لا يهمها سوى مصالحها- بالاحتفاظ بها لمستقبل أولاده وأحفاد أحفاده...؟!
وأرجو أن ننتبه جميعاً لخطر الكلمات المفخخة التي تطلق في الحديث عن الثورة المصرية من قبل النظام وأعوانه...!
وفي الختام أقول للممثلة سماح أنور التي صرّحت بأن لا مشكلة لديها في إحراق متظاهرين ميدان التحرير...ولإلهام شاهين وحسن يوسف وغيرهما من الممثلين-ولن أقول الفنانين- الذين يدافعون بشدة عن مبارك ونظامه،ولتامر حسني ذلك الصبي الصغير المتسلق ولكل من يتآمر بالقول أو بالفعل آو حتى بالفكر على الثورة وأبطالها ما قاله أبو القاسم الشابي:
"إذا الشعب أراد الحياة يوما لا بد وأن يستجيب القدر".
عاشت مصر أم الدنيا...عاشت حرة أبيّة.
كاتبة ومستشارة ثقافية فلسطينية
عيلبون randazriek@gmail.com
