المسؤولية

single

 كلمة واحدة لكنها تتسع لمعظم الأعمال التي نمارسها، وأنماط السلوك التي نظهرها إزاء كل قول، أو فعل في كل زمان ومكان.
فتعدد وتنوع المسؤوليات يجعل من الصعب طرق جمعها في مقالة واحدة ، والغوص في ماهية كل نوع منها، لكن سنحاول في هذه المقالة انجاز أهم هذه المسؤوليات، ألا وهي مسؤولية الأم والأب أي قيادة الاولاد للأسرة، وهي أهم حلقة من حلقات العقد الذي يربط الواحد منا بالآخر كمجتمع ناضج يسعى لتحقيق أهدافه وغاياته الحياتية من خلال اتباع أفضل السبل ،والتي يجب أن تتسم بالفهم والوعي والحرص على تهيئة أفراد الأسرة ذكورا واناثا لدخول معترك الحياة، وتحقيق التعامل الناجح لأبنائنا وبناتنا في المجتمع الذي سوف يعيشون ويتعاملون معه .
فمسؤولية الأب والأم عن أولادهما هي مسؤولية أخلاقية ، دينية ، انسانية، لذلك على الآباء والأمهات تحصين أولادهم  بالمثل  ،والقيم الأخلاقية مثل الأمانة، الصدق، الاحترام المتبادل، الإخلاص في العمل ومخافة الله في كل فعل وقول . بالإضافة الى التمسك بالعادات والتقاليد الإيجابية التي يتبناها أفراد المجتمع الذين سيعيشون فيه مستقبلا ، لانها تعتبر السياج الذي يحصن أفراد المجتمع من الانحراف والشذوذ الذي نعايشه يوميًا ، للأسف نحن اليوم نعاني من انغماس وغرق في المادة والمنافسة والأنانية التي تسيطر على أفعالنا وأقوالنا بتجاهل تام للآخر، ونكرانه كمكمل ورفيق لنا، ولعلي أقول بكل أسف كأن أمور الصدق قد نزعت من الناس، وفقد ما كان عزيزًا  نحرص عليه، ونتمسك به من أنماط السلوك الايجابي، فللأسف كأن كل ما هو موجود هو ما كنا نراه ضارًا، وغير مقبول ،فكأن الخبر أصبح ذابلا ، والشر أصبح ناظرًا، وكأن جميع السبل قد سدت، وأصبحت مستعصية علينا وأصبحنا عاجزين ، لكن مع كل ذلك هذا ليس نعيمًا ، فالخير ما زال يرفع رأسه من فترة إلى أخرى، والأمل موجود لأن رسولنا "صلعم" طمأننا بقوله " لا تجتمع أمتي على ضلالة ". وكما يقول المثل الشعبي " ان خليت بليت " نتجه لهذه الصورة القائمة لا بد حسب ما أراه من العودة الى التأكيد، بأن المخرج من العودة الى التركيز على مسؤولية الوالدين في تربية أولادهما ،لذلك بدأت بها كأول وأهم مسؤولية .
فهذا ابو حامد الغزالي محيي السنة النبوية بمؤلفاته التي أهمها " إحياء علوم الدين " تطرق الى موضوع التربية، وله باع طويلة لذلك سوف أقتبس ما يعنينا هنا عن مسؤولية الوالدين، فهو يقول بإيجاز واقتباس الأهم فقط ما يلي " الصبي أمانة عند والديه " فان عُوّد الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة ، وان عود الشر وأهمل شقي وهلك ،فعلى الولي أن يصون الصبي عن الإتمام بان يؤدبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء . الصبي جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة ، وهو قابل لكل ما نقش ومائل الى كل ما يمال به إليه ".
وها هو الفيلسوف البريطاني جون لوك الذي اهتم ايضا بالتربية في القرن التاسع عشر يكرر ما جاء به الغزالي أعلاه فيقول " الولد لوح او صفحة بيضاء تستطيع أن تنقش عليها ما تريد "  من هنا فلا مناص للوالدين من تحمل مسؤولياتهم في تربية أبنائهم .
رب قائل يقول لا شك بأن كل أب وكل أم يتمنى ويريد أن يرى أولاده وبناته بأحسن وأفضل ما يكون، لكن نقول ونجزم بأن التمني وحده لا يكفي، فلو كان الأمر كذلك أي بالتمني وحده دون العمل والفعل وتحمل مسؤولية بفهم ووعي واخلاص ،لما شاهدنا ما هو ظاهر من جنوح وشذوذ وعنف متفشٍّ في مجتمعاتنا للأسف الشديد ،
فالجنوح الى الشر والرذيلة يأتي بسبب عدم تحملنا لمسؤولياتنا كآباء وأمهات وهنا عذرا  لا أقصد التعميم فهنالك من الآباء والأمهات الذين يعتبرون تربية أولادهم من أهم وأفضل الأعمال، وهم كثر والحمد الله . أما من لا يتحمل مسؤولياته من الآباء والامهات فعليه أن يحصد المرارة والفشل والخيبة لأنه يحصد بالضبط ما زرع .
رب قائل يبحث عن الأعذار فيقول ظروف الحياة صعبة وشاقة وهنالك فقر وجهل ولذلك فاقد الشيء لا يعطيه .
ورب قائل آخر يقول إن الأب والأم منهمكان في عملهما ولا وقت لديهما للعناية بتربية ورعاية فلذات أكبادهما.
رب ثالث يقول الحقيقة هي أن الآباء والأمهات قد تنازلوا عن مسؤولية تربية أولادهم، متذرعين بأن هذه المسؤولية هي من نصيب المدرسة التي مِن واجبها بالإضافة للتعليم أن تهتم بالتربية الصالحة لطلابها ، بمعنى آخر الأب والأم يريان أن توفير سبل العيش والحصول على الرزق هي الأهم ،لتوفير ما يحتاجه الأولاد من مأكل وملبس وهنا أقول بصوت مرتفع ومسموع – هذا عذر أقبح من ذنب، فالأب المخلص والأم العاملة يجدان الوقت اللازم لرعاية أولادهما والاهتمام بتربيتهم، لأن لا سعادة أفضل من تربية أولادهما ورعايتهم باخلاص ووعي وفهم، فالأولى بالتربية الأب والأم أولا، ومن ثم المدرسة تكمل ما نقص ،وتجدد ما تراه مناسبًا لكل جيل ،وأكرر وأقول بان البيت هو الأساس وليس المدرسة ،لأن الولد اذا تغذى بالقيم والمثل من الاخلاق وبالحلال والحرام دينيًا، وبتوفير احتياجاته  الشخصية يكون محصنًا من قرناء السوء ،ولو تعرض لبعض التأثير لكنه سرعان ما يرتد إلى مخزونه الذي اكتسبه من والديه .
فلو حرص كل أم وكل أب  على العناية والاهتمام  بالواجب ، والمطلوب منهم لكان المجتمع بألف ألف  خير،  لأن هذا المجتمع هو عبارة عن مجموع الأسر، فاذا صلح كل فرد صلح المجموع .
  من هنا أهيب بكل أم وكل أب بأن يهتما بتربية أبنائهم التربية اللائقة الصحيحة ،وعدم ترك أبنائهم للضياع الذي يصعب إصلاحه لاحقا . ومن تجربتي كمعلم ومدير لمدة 43 عامًا،  أقول لكل أب وكل أم بان المهمة ليست مستحيلة، بشرط توفر الارادة والنية الصادقة للاهتمام والعناية بالأبناء منذ نعومة أظفارهم ،فالنجاح دائما حليف كل المثابر.

 


(يتبع)
(عبلين)

قد يهمّكم أيضا..
featured

أمريكا تكشر عن انيابها

featured

على طريق الرافضين

featured

برافر.. الهدم يتواصل الآن!

featured

أرجوك ألا تغادر المسرح!

featured

حول مفهوم الديمقراطية

featured

النضال ثم النضال ثم النضال

featured

لمن الأول من أيار؟