يزخر المجتمع بالأناس العصاميين، اناس يمكنهم تحمل الصعاب، يمكنهم العمل على تذليل المشاكل، ويمكنهم كذلك بحكم خدمتهم الاجتماعية وربما السياسية ان يعملوا بدون انقطاع في احتواء اي مشكلة عويصة كانت ام غير ذلك.
وفي الوصول الى معضلة ما، مشكلة ما، يكون هؤلاء الناس، المسؤولين، القياديين الذين يهمهم أخذ زمام الأمور بأيديهم ودون ريب، نعم يكونون مرجعًا أو عنوانًا أو ملاذًا في المجتمع لحل الاشكال أو العمل على الوصول الى حل لهذه المشكلة أو تلك.
وعندها لا مجال للشك انّ نفرًا من هؤلاء سيأخذ على عاتقه، ُتسند اليه بعض الأمور اما باختياره ورضاه، واما بفرض ما هنا وهناك، والنتيجة في رأيي واحدة.
فالمجموعة أو الأفراد الذين يدفعون انفسهم أو يبادرون بأنفسهم لمثل هذه الظروف إن دلّ هذا الأمر على شيء فإنما يدل على ثقتهم بأنفسهم، واستعدادهم للعطاء، وعلى امكانياتهم المعنوية، القيادية والاجتماعية للبذل بالولوج في لب وصلب القيادة أو المسؤولية لتحمل الصعاب وعلى حساب أوقاتهم وجيوبهم وتعبهم وأعصابهم لأنّ الواجب الداخلي الإنساني في نفوسهم يدفعهم دون تردد لهذا الواجب قناعة منهم بإمكانيتهم على ان يغوصوا ويسبروا غور هذه المشكلة أو غيرها.
وقد يحصل قسم من هؤلاء الناس العظام... على ثقة الناس أو ثقة المجموعة التي يتعاملون معها، وبطاعة تقريبًا شبه عمياء يبدأون بمعالجة الأمور بموجب ما أوتوا به من نظرات ثاقبة أو من قدرات على التحمل لأنّ في مثل هذه الظروف ينبغي أن يكون هؤلاء على قسط كبير من التسامح والنفَس الطويل والمصداقية والشفافية وخاصة بعد ان وثق بهم اصحاب الشأن، وأَوْلوهم امكانية العمل في ظل الثقة التامة بهم والأمانة غير المتناهية.
ولدى مباشرة المهام تبدأ الامتحانات الشخصية والاختبارات الخاصة بين هؤلاء الناس وضمائرهم أولًا وكذلك بينهم وبين الذين يتعاملون معهم ثانيًا، وهذه الأمور ليست هينّة حيث يقال في بعض الأحيان أو بين الحين والآخر وبناء على نوعية التصرفات وتفاعل الأمور حسب مجرياتها يَصِحُّ القول " ختم الصبر بُعدنا بالتلاقي".
هذه الكلمات ذات معنى صريح وواضح لمن يعي ويجيد القراءة بين السطور، حيث يتيقن ان ما يُقال شيء وما هو على ارض الواقع شيء آخر، وكثيرًا ما تبدأ المتناقضات اذا ما اقترنت بالماضي ليس بالبعيد، فالحنان لبعضهم الى بعض اخذ ينتشر بين الاثنين أو المجموعتين وبشكل حذر جدًّا وربما يكون أيضًا على رؤوس الأشهاد في التفوه، في التحدث وفي التصرف، وفي كثير من الأمور والظروف يتنافى مع الرسالة السامية التي من اجلها دفع هؤلاء انفسهم الى العطاء والبذل.
وهذا الأمر يعتبر في نظري تلاعبًا بالثقة والأمانة التي اوكلت لهم، وفي مثل هذا السياق ينبغي الابتعاد كل البعد عن المحسوبيات والعلاقات السياسية والأخوية، ذلك صيانة للأمانة والثقة التي منحت لهؤلاء، منحت لهؤلاء من باب الكرامة والاستقامة في مسيرة العمل حيث إنّ الأمانة والثقة أمران هامان جدًّا في تسيير الامور، فلا احد على حساب الآخر، والتلاعب فيهما بموجب اهواء وميول معينة يُفسد عمل هؤلاء من باب الإخلاص والموضوعية. حيث انّ الموضوعية يجب ان تتجلى بشفافية متناهية والابتعاد عن العاطفة الخاصة لأنّ من يفقه في تأملاته وملاحظاته ومواكباته يدرك بدون ادنى شك انّ الامور لا تسير بأمانة وبثقة تامة كما كتب لها في البداية، وقد يجوز أنّ الأهواء المستقبلية قد تلعب دورًا في ذلك.
فنور الشمس يكشف كل توجه وتصرف وتعامل خفيًا كان أم ظاهرًا، وهذه امور لا تضر بأحد وإنما تكشف هؤلاء على حقيقتهم وينبغي الا يتظاهروا بغير ذلك، لأن ما تراه العين وما تسمعه الأذن اكبر دليل صادق للمرء.
فالنصيحة المجانية اقولها هامسًا في آذان هؤلاء وأمثالهم: كونوا اكثر صدقًا مع انفسهم، كونوا اكثر امانة على الرسالة، كونوا اكثر اتقانًا في مهمتكم، كونوا مترفعين عن الصغائر، عندها يُثنى عليكم ليس فقط من مجموعة واحدة وإنما من كل المجموعات والناس، عندها تكونون قد أديتم الرسالة ولو تلاعبتم بالثقة والأمانة بقصد أو بغير قصد لأنه فقط بذلك يطمئن الضمير لديكم ان لم يكن عاطلًا عن الأمل وتكونوا قد اسديتم وقدمتم ما يمكن تقديمه بشفافية وبدون محسوبيات.
وفي ذلك سلوك مستقيم وأداء متوازن، فطوبى لمن لا يتلاعب بالثقة والأمانة اللتين حصل عليهما في امور خاصة علّ ذلك يهديه الى الصراط المستقيم واستقامة النهج وتقديس الرسالة الاجتماعية.
(أبو سنان)
