لم تعد الكتابة عن القائد العربي التاريخي جمال عبد الناصر مجرد تكريم لذكراه أو تمجيد لثورته أو تعبير لحبي له وحب الملايين على طول الأرض وعرضها، بل إعادة الذاكرة إلى الوراء لاسترجاع حقبة زمنية نشتاق لها كلما ازداد بعدها عنها زمنيا وسياسيا واجتماعيا وأدبيا وأخلاقيا.
لا أريد ان أكتب عن سيرة حياته وما حققه من انجازات بل ما يستحقه في ذكرى رحيله وفي فترة زمنية حالية نحن بحاجة إلى حكمته وذكائه وعراقته في حل مشاكل الأمة العربية التي تعاني من المحن وسفك الدماء وفقدان الأمل في التغلب عليها بوجود أيدي غريبة تتحكم في مسيرة الشعوب العربية وظلم العرب للعرب. أين جمال العرب أين جمال عبد الناصر الذي قدم استقالته بعد حرب حزيران 67 بتحمل مسؤولية النكسة بشكل شخصي وعلى عاتقه، مع أن المسؤولية لم تكن عليه وحده بإعلانه التنحي عن منصبه كرئيس للجمهورية وتحمله كافة المسؤوليات إلى أن هبت مصر بأكملها والشعوب العربية بمظاهرات صاخبة تدعوه للعدول عن قراره بالاستقالة فلبى نداء الأمة وعاد لمزاولة مهامه.
من غير جمال عبد الناصر أوقف سفك الدماء في الأردن في عام 1970بين الشعبين العربيين الأردني والفلسطيني بعقد مؤتمر قمة عربية استطاع إيقاف النزيف العربي وكلفه ذلك حياته.
أين زعماء العالم العربي من المحيط إلى الخليج من الجرح النازف في سوريا أين مؤتمر القمة العربي؟ أين العرب من القتل والهدم والخراب الذي
يكوي قطرا من الأقطار العربية؟ أين الحلول السلمية؟ أين العمل السياسي والتفاهم والحوار؟ ما هو دور زعماء العرب وما يدور في سوريا من قتل وتهجير ودمار؟ إن الأوضاع في العالم العربي تناديك يا أبا خالد وما أحوجنا اليوم لحكمتك في حل المشاكل المتفاقمة في عالمنا العربي، فانهض من ثراك وسارع في حقن دماء العرب في سوريا وغيرها من الوطن العربي الجريح.
إنني اكتب بعد 42 عاما في ذكرى رحيلك وأنت لا زلت تعيش فينا وفي ذاكرتنا بعد ان منيت جميع التجارب الفكرية والسياسية العربية بالفشل
الذريع وبدل ان يتعاملوا مع التجربة الناصرية بحالتها التعددية وشخصية صاحبها الفذة بالتقييم المنطقي والنقد الموضوعي البناء لحل المشاكل
اختارت هذه الزعامة مصادمة الجماهير وقهرها وقد رأينا ما آل إليه مصيرهم.
ما أحوجنا اليوم كعرب في ظل الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية إلى هذا الرمز الخالد وتلك الأسطورة ليتوحد الشعب العربي كله لتربط الماضي بالحاضر. عبد الناصر أيها الأسطورة العربية الرائعة العذبة إننا نفتقدك كثيرا كثيرا فما زلنا ننام على حلم بالبطل الرمز الذي نلتف حوله ليقودنا إلى دنيا المجد فينير ظلمة الحاضر.
اكتب عن جمال عبد الناصر كل سنة وهو ما زال الحاضر الغائب، هو البعيد منذ 42 عاما ولكن ظله لا زال موجودا على اتساع الأرض العربية وهذا هو سره على فترات ومراحل ممتدة على مسيرة طويلة من العمل الوطني والقومي والإنساني.
مثل هذا الزعيم يستحق من مصر العروبة أولا تخليد ذكراه بتحويل منزليه في القاهرة والإسكندرية إلى متاحف تكريما له ولعطائه لمصر والأمة العربية ودول عدم الانحياز، تليق بتاريخه العريق، بالكفاح والنضال من اجل حرية الشعوب واستقلالها.
وكانت أسرة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد وفاته بعشرين عاما قد توجهت بكتاب إلى الرئيس حسني مبارك بتحويل بيته إلى متحف وقد قرأت ان مصر تكتشف الزعيم الخالد جمال عبد الناصر بعد تحويل بيته إلى متحف تعرض فيه مقتنياته الشخصية ويكون مزارًا و رمزا سياحيا.
فان كان ذلك قد تم فإنني أبارك هذه الخطوة الوطنية الجريئة واحيي كل من ساهم في إعداد هذا المشروع. وان كان لم يتم بعد فإنني أدعو الرئيس الحالي محمد مرسي ان يعمل على تحقيق طلب عائلة عبد الناصر وكل محبي عبد الناصر والناصريين بتحويل بيتيه في القاهرة والإسكندرية الى متحف وطني قومي يخلد ذكراه ويكون مزارا يحوي كل مقتنياته على مدى تاريخه الطويل الحافل بالأعمال الوطنية لمصر ولكل العرب ولكل الذين تنبض قلوبهم بحب عبد الناصر وهم كثيرون. وأدعو الشعب المصري وقادته بزيارة قبره والجامع الذي يحتضن ثراه الطاهر في عيد ثورة يوليو كل سنة وان نصون ونحافظ على هذا النصب التذكاري له وتزويده بكل وسائل الراحة المطلوبة لتبقى ذكراه مخلدة في ذاكرة الأمة المصرية والشعوب العربية ودول عدم الانحياز الذي كان مؤسسها وقائدها.
اكتب كل سنة في ذكرى رحيله وفاء له واكتب اعتزازا وفخارا وما مثله هذا الزعيم من قيم الإنسان العربي ومن أحلامه المستقبلية.
تحية إجلال وإكبار لروحه الطاهرة وسلاما عليه في مرقده وسيبقى نجمنا الساطع في سماء العروبة ما بقيت الحياة فوق أرضنا وباقة ورد حمراء لذكراه العطرة، المجد لك يا ابا خالد في الأعالي وعلى الأرض ذكراك باقية ما دامت امتنا العربية قائمة .
(دير الأسد)
