المهاجرون العرب يشعرون بالاغتراب وحرياتهم تتعرض لضغوط
تعددت الأسباب والهجرة واحدة، فمن ضاقت به سبل العيش وجد نفسه بجوار من ضاقت عليه سُبل التعبير، وثالثهما هو المثقل بأحلام تحقيق الذات سواء كان عالمًا أو أديبًا أو ناشطًا. وعندما كتب الراحل الطيب صالح روايته الشهيرة “موسم الهجرة إلى الشمال” كانت أوروبا الستينات غير هذه التي بدأت تغلق البوابات، مثلما كان العالم الثالث أيضًا في تلك الآونة مسكونًا بهواجس التغيير والثورة.
الآن، بدأ المهاجرون إلى الشمال يعودون أفرادًا وجماعات إلى الجنوب، سواء بأجسادهم وحقائبهم أو بالحنين الذي شحذته أوروبا بعد أن استيقظت لديها “فوبيا” الغرباء الذين يهددون الأمن وصفاء العِرق.
في اليونان وحدها كانت أعداد غفيرة من العرب والأفارقة تعيش على الهامش، وتمارس نمطًا محددًا من المهن السوداء والبيضاء، لكن ما أن قرعت أجراس الأزمة حتى فقد هؤلاء القليل الذي كانوا يعتاشون عليه، سواء كانوا عمال بناء أو باعة متجولين أو مهربين. فالعودة إلى الجنوب رغم كل ما يعج به من كوارث ويختنق به من أزمات أرحم من البقاء في عالم غريب يضيف الأفكار والمطاردة إلى الجوع والتشرد.
لم تكن أوروبا والولايات المتحدة في ستينات القرن الماضي فردوسًا أرضيًا، لكنها كانت النداهة التي أفقدت الكثيرين رشدهم فحزموا حقائبهم ورحلوا بحثًا عن خلاص ولم يخطر ببالهم أن ما كتبه في تلك الأيام الشاعر الألماني بريخت عن مدينة بيلارس الأسطورية سوف يتحول إلى واقع تاريخي. فتلك المدينة كانت كما يقول تشفي الأبرص، وتحقق الوصال للمحروم، وتغني الفقير، لكن الزلزال دمرها ذات فجر أسود ففقد الناس الحلم بالوصول إلى عتباتها.
أوروبا لم تصب بزلزال طبيعي كبيلارس بل بزلزال تاريخي غيّر الكثير من المفاهيم والثقافات السائدة فيها، وإذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول عام 2001 هي الذريعة فإن بذور هذه الظاهرة كانت قبل ذلك بكثير ولم تكن أحداث سبتمبر/ أيلول قد وقعت في أمريكا وكذلك أحداث الأنفاق في لندن ومدريد، عندما رفع لوبان اليميني الفرنسي شعار تصفية فرنسا من الغرباء والمهاجرين.
لقد بدأ العرب تحديدًا ممن هاجروا إلى أوروبا والولايات المتحدة في ظروف مختلفة عن هذه التي تعصف بالعالم كله يشعرون بالاغتراب، وثمة من يذكرهم على مدار الساعة بأنهم ليسوا من أهل البلاد، وبدأت حرياتهم بدءًا من المعتقد حتى العادات والأعراف تتعرض لضغوط لا سبيل إلى تجاهلها.
بالطبع لن يجد العائدون إلى الجنوب بلدانهم بانتظارهم، خصوصًا من تجاوزوا الستين أو السبعين من العمر، وفقدوا الأواصر القديمة، لكن الإنسان يضطر أحيانًا إلى اختيار ما هو أقل مرارة، خصوصًا عند شعوب تحفظ في ذاكرتها أمثالاً وأشعارًا عن البيت الأول.
وقد يردد مهاجر عربي في أثينا أو لندن ما قاله الشاعر.. سأرحل عن بلاد أنت فيها ولو جار الزمان على الفقير.
كم تبدّل العالم خلال نصف قرن، وكم ضاقت الأرض الواسعة، بحيث لم يعد المثل القائل “بيت الضيق يتسع لألف صديق” صحيحًا.
* شاعر أردني
