جماهيرنا العربية وسؤال: ما العمل؟

single

*نعيش في ظل هذه الحكومة اليمينية المتطرفة أبشع الاساليب العنصرية والفاشية ضد جماهيرنا العربية. وهو ما يجب ان يؤدي بنا الى وحدة نضالية بين جماهيرنا والى زيادة العمل المشترك مع القوى الديمقراطية اليهودية لتصعيد نضالنا*

منذ نكبة شعبنا العربي الفلسطيني في سنة 1948 حتى يومنا هذا وجماهيرنا العربية التي بقيت متمسكة بتراب هذا الوطن الغالي، وهي تعاني من الاجواء العنصرية واجواء التمييز الفاضح الذي تمارسه حكومات اسرائيل المتعاقبة ضد هذه الجماهير من خلال سياسة الحكم العسكري الذي فرض على جماهيرنا في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وسياسة سلب الاراضي العربية وسن مختلف القوانين العنصرية. هذه القوانين التي كلها تستهدف الجماهير العربية بشكل خاص والتي الهدف من ورائها هو التخلص من هذه الجماهير التي بقيت شوكة في حلق حكام اسرائيل، والتي عرقلت وما زالت تعرقل تنفيذ مخطط الفكر الصهيوني المتكامل، اي السيطرة الكاملة على كل الارض الفلسطينية.
إن الهدف الاساسي من وراء هذه السياسة هو خلق جو من اليأس والاحباط بين هذه الجماهير حتى لا يروا اي مخرج لهم الا الرحيل، او العمل بمبدأ المثل الذي يقول "حط راسك بين هالروس وقول يا قطاع الروس" او المثل الذي يقول "اللي بوخذ امي هو عمي"، هذا عمليا ما يريده حكام اسرائيل من خلال ممارساتها العنصرية الدائمة ضد جماهيرنا العربية في هذه البلاد، ولكن جماهيرنا عملت عكس هذه الامثلة وبقيت شوكة في حلق هؤلاء الحكام بفضل القيادة الحكيمة التي قادت هذه الجماهير في فترات عصيبة.
إن الواقع يثبت ان هذه المخططات الجهنمية التي تمارسها حكومات اسرائيل المتعاقبة جوبهت بمقاومة شديدة وجدية ومثابرة منذ قيام الدولة من قبل الحزب الشيوعي في هذه البلاد وبالتعاون مع القوى الوطنية الصادقة بين جماهيرنا العربية والقوى الدمقراطية اليهودية، ونتيجة لهذا الموقف الشجاع والذي كلف ثمنا غاليا من سجون ومنافٍ واعتقالات ادارية ضد نشطاء الحزب الشيوعي في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، الامر الذي أدى بدوره الى رفع المستوى السياسي والاجتماعي بين هذه الجماهير وبقيت متمسكة بأرضها وبقائها والمحافظة على هويتها الوطنية بالرغم من كل الظلم الجائر الذي مارسته الحكومات الاسرائيلية وما زالت تمارسه حتى اليوم.

 

*حكومة ابرتهايد*

إننا اليوم نعيش مرحلة جديدة في ظل هذه الحكومة اليمينية المتطرفة والتي تمارس أبشع الاساليب العنصرية والفاشية ضد جماهيرنا العربية والتي تسرع في سن مختلف القوانين التي حتى لم تجرؤ على سنها حكومة الابرتهايد التي حكمت جنوب افريقيا فترة من الزمن في القرن الماضي.
إن هذا الواقع المؤلم يجب ان يؤدي بنا الى وحدة نضالية بين جماهيرنا والى زيادة العمل المشترك مع القوى الديمقراطية اليهودية في داخل المجتمع الاسرائيلي، من اجل تصعيد نضالنا الى مستوى اعلى.
من خلال هذه المقدمة أود ان اطرح اسئلة في مواضيع ليست من اختصاصي مهنيا ولكن كمواطن عاش نكبة شعبه منذ بدايتها حتى اليوم وله تجربة في مقارعة سياسة هذه السلطة العنصرية، من خلال عضويتي في صفوف الشبيبة الشيوعية ومن ثم في صفوف الحزب الشيوعي منذ سنوات الخمسين الاولى وحتى يومنا هذا، لذلك ارى من واجبي الوطني ان اطرح بعض القضايا والتساؤلات التي تجابهنا كجماهير عربية في هذه البلاد، خاصة واننا اليوم اصبحنا شعبا متكاملا يوجد بيننا المختصون في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والادارية وهؤلاء لهم دور هام في مجابهة هذا الواقع.
التي اود طرحها هي قضية قرانا العربية غير المعترف بها والتي تقارب الخمسين قرية وعدد سكانها يزيد عن ثمانين الف نسمة وقسم كبير من هذه القرى كانت موجودة حتى قبل قيام الدولة بسنوات، وحتى الآن هي قرى غير معترف بها واكبر مثل هي قرية العراقيب التي هدمتها السلطات اكثر من عشرين مرة خلال عدة اشهر. وهنا يطرح السؤال كيف يمكن ان تقوم مستوطنات على اراضي هذه القرى يُعترف بها حالا وحتى هناك مستوطنات اقيمت على الاراضي الفلسطينية التي هي خارج حدود دولة اسرائيل اي في الاراضي المحتلة يُعترف بها ايضا، بينما هذه القرى القائمة منذ عشرات السنين لا يعترف بها؟! صحيح هناك من سيجيب ويقول لي هذه السياسة العنصرية التي تتبعها حكومات اسرائيل ضد جماهيرنا العربية، ولكن يسأل السؤال الاخر هل يجب ان نبقى نجابه هذه السياسة بالاساليب التي استعملناها في الماضي وما زلنا نستعملها ضد هذا التوجه العنصري وحتى الآن لم تعط النتائج الكافية، ام يجب ان نفتش عن اساليب جديدة لمجابهة هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه جماهيرنا في هذه القرى؟
هي الخرائط الهيكلية ومناطق النفوذ لقرانا ومدننا العربية، هل يعقل ان تبقى بعض قرانا بدون خرائط هيكلية وبدون مناطق نفوذ مصادق عليها من قبل لجان التنظيم ووزارة الداخلية؟ وهل يعقل ان تبقى مناطق النفوذ لأكثرية مدننا وقرانا كما هي منذ اكثر من ثلاثين عاما لم يضف اليها ولو متر مربع واحد، في الوقت الذي تضاعف فيه عدد سكان هذه القرى اكثر من الضعف، والسلطات تعمل بشكل مبرمج على منع زيادة مناطق النفوذ في جميع قرانا ومدننا العربية؟ وهنا اود ان اذكر حادثة حدثت معي في سنة 1999 كنت قد انتخبت قائما بأعمال رئيس المجلس المحلي في عرابة، وفي تلك الفترة ارسلت وزارة الداخلية مهندسا من قبلها لاجل اعداد خارطة هيكلية تخدم عرابة البطوف حتى سنة 2020، وعُقدت جلسة مع هذا المهندس باشتراك اعضاء من ادارة مجلس عرابة ومهندس المجلس، وخلال الجلسة طرحت خلال نقاشي مع هذا المندوب طلبا ان يعمل على توسيع منطقة النفوذ لمجلس عرابة البطوف المحلي، وان يكون لنا تواصل مع سهل البطوف من جهة الجنوب ومن جهة الشرق وان تصل منطقة نفوذنا الى قناة البطوف حتى نتمكن من خدمة فلاحينا في هذه المنطقة، فكان جوابه السريع ان هذا "كلام سياسة" فنظرت اليه وأجبته هل المطالبة بان يكون قسم من ارضنا تحت نفوذ سلطتنا المحلية "كلام سياسة" ام هذا التخطيط الذي تقترحه علينا هو السياسة بعينها والتي تهدف في النهاية الى التضييق علينا ومن ثم سلب ارضنا، ففوجئ بهذا الجواب ولكنه بقي صامتا وانتقل الى الحديث عن اشياء اخرى. ولكن بعد فترة ومن خلال توثيق علاقتي معه قال لي بصراحة: "يا توفيق انا في الحقيقة موجه من قبل وزارة الداخلية ولا استطيع ان اتخطى ما وجهت به ولو بمتر مربع واحد من الذي قرروه لي"، فضحكنا وقلت له: "نعم هذه هي السياسة".
هذا عمليا مثل واحد حي من هذا الواقع المر الذي تعيشه مجالسنا المحلية العربية، وفي تلك الفترة طلبنا من المركز العربي للتخطيط البديل ان يضع لنا تخطيطا بديلا عن تخطيط وزارة الداخلية، لانه لا يعقل ان يكون اكثر من عشرين الف دونم من اراضي عرابة البطوف تحت منطقة نفوذ مجالس اقليمية مثل مسغاف وغيرها، وللحقيقة اقول ان مركز التخطيط البديل قد عمل ونفذ تخطيطه ولكن الادارة التي اتت فيما بعد اهملته وآمل ان الادارة الحالية للمجلس المحلي لا تهمل هذا التخطيط.
وهنا يأتي السؤال الآخر حول المجالس الاقليمية.
من الواضح ان المجالس الاقليمية التي اقامتها السلطات الاسرائيلية الهدف منها هو السيطرة على اكثر ما يمكن من الاراضي العربية وفي الوقت نفسه منع سلطاتنا المحلية من التطور الطبيعي، وهذا عمليا ما يجري حيث من الصعب جدا ان تضيف الى منطقة نفوذ اي مجلس عربي بضعة دونمات من مناطق نفوذ هذه المجالس الاقليمية.
لنأخذ مثلا المجلس الاقليمي "مسغاف" الذي يسيطر على منطقة نفوذ تزيد عن مائة وستة وثمانين الف دونم منها اكثر من خمسة عشر الف دونم املاك لأهالي عرابة البطوف. هذا بالاضافة الى ما يسمى اراضي الدولة والتي كانت اكثريتها مخصصة كمراعٍ لاهالي عرابة، كل هذه الاراضي لا يستطيع المجلس المحلي ان يخطط عليها اي مشروع من اجل تطوره المستقبلي، في الوقت الذي تحتاج فيه عرابة الى اراضٍ من اجل ابنية عامة مثل المدارس والملاعب وحتى تفتقر لاراضٍ من اجل قبور موتانا.

 

*بين عرابة وهراريت..*

أذكر انه خلال عملي في المجلس المحلي توجهنا الى مجلس اقليمي مسغاف بطلب من اجل لقاء، الهدف منه هو طلب قطعة ارض من اراضي عرابة والتي تعود ملكيتها للدولة بهدف اقامة مقبرة على قطعة الارض هذه وبالفعل رتبنا لقاءً في قطعة الارض المطلوبة هذه وتم اللقاء مع رئيس لجنة التنظيم في مجلس مسغاف ونائب رئيس مجلس مسغاف وكان ممثلا عن مجلس محلي عرابة مدير عام المجلس في ذلك الوقت المرحوم مصطفى لهواني ومهندس المجلس أمد الله في عمره السيد سعيد نصار وانا وأريناهم قطعة الارض المطلوبة، وكان نقاش بيننا وخلال الحديث قال لنا نائب رئيس مجلس مسغاف وهو احد سكان مستعمرة "هراريت" الواقعة ايضا على اراض كانت تابعة لاهالي عرابة، انه لا يريد ان يقوم في الصباح ويرى امواتا، وفي الواقع ان هذا الموقع يبعد كثيرا عن "هراريت"، فأجبته كيف يمكن ان ترى القبور من هناك؟ فأجاب لان هراريت ستتطور في هذا الاتجاه وتصل الى هنا، وفي الحقيقة ان عدد سكانها لا يتجاوز الخمسمئة انسان، وهنا كان نقاش بيننا وقلت له اذا كانت "هراريت" ستصل الى هنا فماذا مع تطور عرابة التي يبلغ عدد سكانها اكثر من عشرين الف نسمة، الى اين يجب ان تصل؟ وفي الواقع رفض طلبنا بشكل مطلق. هذه فقط عينة صغيرة عن مثل هذا التوجه لمثل هذه المجالس الاقليمية، التي تقف حجر عثرة أمام امكانية تطور قرانا المستقبلي وهذا هو التوجه العام للسلطات الاسرائيلية تجاه قرانا ومدننا العربية في هذه البلاد حيث نراها تخطط لتطور كل المناطق اليهودية في الوقت الذي في المقابل تخطط بشكل مبرمج على التضييق على قرانا ومدننا العربية.
إننا نعرف ان الموجّه الاساسي لسياسة حكام اسرائيل هو الفكر الصهيوني العنصري والاستعلائي والذي على اساسه عملوا ويعملون دائما من اجل تفريقنا على اساس طوائف وملل ولا يعترفون بوجود اقلية قومية عربية فلسطينية في هذه البلاد هذه الاقلية التي تساوي حوالي عشرين بالمئة من سكان هذه البلاد والذين هم السكان الاصليون لهذا الوطن الذي لا وطن لهم سواه.
إن نضال جماهيرنا العربية ضد سياسة سلب الارض وسياسة هدم البيوت وكل السياسة العنصرية المتبعة ضدنا لم تتوقف منذ قيام الدولة حتى يومنا هذا.
وهنا اود ان اطرح بعض الاسئلة:
1) هل يجب ان نستمر في نضالنا بنفس الاساليب التي استعملت في الماضي ام يجب تصعيد النضال الى مستوى اعلى؟
2) ماذا يمكن ان نعمل بالنسبة لقرانا غير المعترف بها حتى نفرض على السلطات الاعتراف وادخالها ضمن مخططات التطوير؟
3) ماذا يمكن ان نعمل من اجل توسيع مناطق النفوذ لمجالسنا المحلية؟
4) هل يجب القبول بهذه القوانين العنصرية التي تسن ضدنا في البرلمان الاسرائيلي ام يجب خرقها بشكل جماعي؟ او حتى يجب في النهاية الوصول الى العصيان المدني؟

صحيح انني اعرف ان الحل في النهاية هو حل سياسي، ولكن حتى نصل الى هذا الحل بأسرع وقت من الضروري تضافر كل الجهود اكثر واكثر من اجل تعبئة الجماهير وتهيئتها لخوض نضال جماهيري واسع والعمل داخل الجماهير اليهودية بالتعاون مع القوى الديمقراطية بينها من اجل دعم نضالنا العادل هذا.
بالاضافة الى كل هذا ارى ان هناك ايضا دورا هاما لبعض المراكز المتخصصة مثل المركز العربي للتخطيط البديل ومركز عدالة ومركز مساواة حيث ان زيادة التنسيق بين هذه المراكز في القضايا المهنية والقضائية الامر الذي يساعد على ان يكون نضالنا اكثر تنظيما واكثر تطورا.
إن توحيد القوى هو عامل اساسي وهام من اجل خوض هذا النضال الواسع والهام والذي نحن كجماهير عربية في هذه البلاد بحاجة له اكثر من غيرنا ولذلك علينا الانخراط في النضال الجماهيري العام والواسع مع القوى التي بدأت المعركة بالخيم من اجل العدالة الاجتماعية ومن اجل المسكن ومن اجل المساواة ومن اجل الاعتراف بعدالة مطالب الجماهير العربية.
في النهاية اقول انه كان وما زال للحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة دور خاص ومميز في تعبئة الجماهير وتوحيدها وفي توجيه هذا النضال في الاتجاه الصحيح في مثل هذه الظروف المعقدة والصعبة التي نعيشها في هذه المرحلة التاريخية الهامة والمتغيرة.


(عرابة البطوف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

كفر قاسم: العبرة التاريخية والراهنة

featured

ذكرى برناويّ خالد

featured

نحو الإضراب العام في ذكرى عدوان 2000 الاسرائيلي: أن يشاركنا يهود.. أُفق للنضال والتأثير

featured

العدالة الاجتماعية ومكافحة العقائد الرأسمالية..

featured

للسلام متطلباته وبدونها لن يتحقق.

featured

‏"السلام الأمريكي" ‏ ينذر بنتائج كارثية‏

featured

الطبقات والصراع الطبقي (الحلقة الثالثة)