تدفع الشعوب العربية في الدول التي شهدت انتفاضات شعبية، أيضًا، قمعا اقتصاديا بسبب انصياع الحكومات هناك الى ضغوط جهات دولية، رأسماليةِ العقيدة، تفرض عليها تقليص مشاركة الدولة في دعم وحماية القطاعات والاحتياجات والمواد الحياتية الأساسية للمواطنين.
يتجسد هذا في رفع أسعار سلع وخدمات أساسية، وارتفاع التضخم المالي (6% في تونس، 30 % في مصر و 35% في السودان)، والسبب هو الرضوخ لشروط "صندوق النقد الدولي" و "منظمة التجارة العالمية" بتقليص حجم دعم الدولة، وبالتالي دفع ملايين الأسر الى مستنقع الفقر أكثر وأعمق؛ وكذلك ضرب الصناعات والانتاجات المحلية، من خلال فتح الأسواق لمنافسة شركات العولمة العابرة للحدود، دون تنظيم ولا قيود.
هذه الخطوات الاقتصادية-السياسية التي تضر وتمس بحقوق أساس لجماهير الشعوب، تأتي وسط استمرار تفشي سرطان الإرهاب التكفيري، الذي لاقى وما زال يلاقي مصادر دعم وتعزيز له على مستويات مختلفة! وهكذا فإن زيادة حجم الإنفاق الأمني والعسكري (الضروري) يأتي من خزينة الدولة، وعلى حساب تلك الاحتياجات والحقوق. وهو ما يتبيّن على المدى المتوسط البعيد كمقامرة تدفع باتجاهات خطيرة من عدم الاستقرار والإفقار.
إن شعارات العدالة الاجتماعية التي رفعها شباب عربي في العديد من العواصم، لم تجد لها ترجمة سياسية وواقعية، بسبب خيوط المصالح والمنفعة التي تربط مؤسسات حاكمة مع مراكز الهيمنة الرأسمالية، متعددة الأطر والهيئات الدولية، والتي ترى من خلف زجاج مكاتبها بلدان العالم كسوق مفتوحة وكجموع زبائن، وليس كأوطان وشعوب! وهذا تأكيد جديد على أن أي تحرك ثوري تحرري لا بد أن يشمل أولا وبالضرورة العدالة الاجتماعية ومكافحة العقائد الرأسمالية المنفلتة، قبل أي شيء آخر. ونرى في الاحتجاجات المختلفة الأخيرة تعبيرًا عن الوصول التدريجي الى هذه العبرة وهذا الاستنتاج.
