عندما يُسرجون خيولهم وقد أسرجوها..!

single

يعرف عن الروس منذ عهد بعيد انهم اذا وضعوا السروج على ظهور خيلهم فإنهم لا محالة ذاهبون الى الميدان وبقوة، ولن يتراجعوا. وعندما قال الرئيس الروسي انه ذاهب الى سوريا لمواجهة الارهاب فانه كان يعني ما يقول، وقد تريث كثيرا مثل هذا القرار وربما لسنوات. وحين قرر وصدرت الاوامر فانه يعرف ما يريد، بعد ان اخذ بالحسبان كل الظروف الدولية والإقليمية رغم تعقيداتها. فهكذا فعل حين قرر استعادة شبه جزيرة القرم، ولم يتردد وكذلك فعل حين واجه جورجيا بقوة السلاح قبل سنوات، وكان له ما اراد. فالرجل حين يقرر فانه لا يمزح ولا يتردد، لا سيما ان روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي قد استعادت عافيتها بعد ان اصابها الانهيار المؤقت، وهكذا فان الشعوب الحية لا تلبث ان تنهض وبقوة من الكبوات والعثرات التي قد تصادفها.
وحين قرر بوتين ان يتعامل مع الارهاب بقوة في سوريا، فقد دعا بعض قادة المنطقة لإبلاغهم قراره، فكانت رؤاه متطابقة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بشأن محاربة الارهاب والحل السياسي في سوريا. ومن الزعماء الذين دعاهم الى موسكو كان العاهل الاردني عبد الله الثاني، وولي عهد الإمارات، والرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ورئيس الحكومة الاسرائيلية نتنياهو. وسألهم بعد اطلاعهم على قراره: هل انتم دول صديقة ام معادية؟ فأجاب الجميع بأنهم اصدقاء، واخذ كلامهم محمل الجد، حتى انه احتفى بأردوغان بشكل خاص، ودعاه لحضور حفل افتتاح الجامع الكبير في موسكو، لإثبات نوايا الصداقة تجاهه. وبالنسبة للأمريكيين فقد نسّق معهم، حتى لا يصطدم سلاح الجو الروسي مع سلاح الجو الامريكي في الاجواء السورية. وحافظ الجميع على تعهداتهم للرئيس بوتين، ما عدا سلطان تركيا السلجوقي، الذي رأى مشروعه التدميري في سوريا قد اوشك على الاخفاق نتيجة الضربات الموجعة والمؤلمة، التي تلقتها المجموعات الارهابية المتعددة، وليس تنظيم داعش وحده. واقلق هذا اردوغان كثيرا، لأنه كان يعول كثيرا على الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا مثل جبهة النصرة، وأحرار الشام، وجيش الإسلام، والميليشيات التركمانية التي اجبرها ان تكون خنجرا في ظهر دولتها السورية. وقد عوّل كثيرا على هذه الجماعات ان تكون المسيطرة على المنطقة التي ارادها ان تكون عازلة وبعمق 50 كيلومترا في شمال سوريا. وعندما رأى اردوغان وأسياده الامريكيون نجاعة الضربات الجوية الروسية، التي اتاحت التقدم للجيش العربي السوري في مختلف الجهات، جن جنونهم وكان الكمين الغادر لطائرة السوخوي الروسية من قبل المقاتلات التركية التي اسقطتها فوق الاراضي السورية، وجاء هذا بعد اسبوعين فقط من استهداف الطائرة المدنية الروسية، فوق سيناء المصرية. وكلها رسائل موجهة لروسيا، التي حزمت امرها في سوريا. وجاء توقيت اسقاط الطائرة الروسية فوق سوريا متزامنا مع زيارة العاهل الاردني عبد الله الثاني لروسيا ولقائه الرئيس بوتين في منتجع سوتشي وبحضور الملك الأردني، رد بوتين وبقوة على اردوغان متهما اياه بأنه وجّه طعنة الى روسيا في الظهر، خلافا لتعهداته السابقة، وتوعده برد قاسٍ حتى انه وصفه في اتصال مع الرئيس الامريكي بأنه "كلب مسعور". وكان مهمًّا ان يسمع الملك عبد الله الثاني الكلام الواضح والقاسي لأردوغان، ومن شجعه او اعطاه الضوء الأخضر، لعل الملك يشفي غليله قليلا، وهو الذي اكتوى بنار الغدر الأمريكي، حين فقد سلاح الجو الاردني طائرة من طراز "إف 16" وسقوط طيارها البطل الشهيد معاذ الكساسبة اسيرا في يد داعش، التي اعدمته بشكل بربري، حين وضعوه في قفص حديدي واحرقوه حيا. وهو ما لم يفعله اي متوحش على مدار التاريخ كله، فالملك يعرف تماما ان داعش لم يسقط الطائرة الاردنية، التي كانت ضمن التحالف الامريكي، لان داعش لا تملك صواريخ ارض جو قادرة على اسقاط مثل هذه الطائرات المتقدمة. فالذي لم يعد خافيا ان الامريكيين هم الذين اسقطوا تلك الطائرة، بعد ان التقط معاذ الكساسبة صورا للطائرات الامريكية وهي تلقي بالسلاح لإرهابيي داعش، التي يدَّعون محاربتها. وعلى الفور قاموا بإسقاط طائرته حتى لا يفتضح امرهم. والروس على ما يبدو لا يخفى عليهم هذا الأمر. وللملك الاردني اسبابه بأنه لا يتحدث في هذا الامر لكنه وجد سلواه في الاصرار الروسي الصادق في محاربة الارهاب والذين يقفون خلفه في توفير كل مستلزماته.
 وحين نقرأ غضب القيصر الروسي، كما جاء على لسانه وعلى لسان باقي المسؤولين الروس من عسكريين وسياسيين، فان هذا ليس تهديدا في الهواء، او كلامًا بلا رصيد. وليس هذا معناه ان روسيا تتجه للتصعيد العسكري مع تركيا، مع انه من حق روسيا ان تثأر وبنفس الاسلوب من تركيا. لكن روسيا اختارت ان يكون الرد القاسي والمؤلم على اكثر من صعيد. فقد اعلن بوتين عن حزمة من العقوبات الاقتصادية حين سيتأثر قطاع السياحة والتصدير التركي الى روسيا. وستكون خسارة تركيا مليارات من الدولارات، في ظل الوضع الاقتصادي المتأرجح حاليا في تركيا، كما ان روسيا سارعت الى تعميق تواجدها في سوريا، حيث ادخلت الى هذا البلد، ولأول مرة، منظومة صواريخ "اس 400". وهذا يعني ان اجواء سوريا اصبحت محرمة على اي طيران معادٍ. وهدّد بوتين بإسقاط اي طائرة يمكن ان تشكل خطرا على الطيران الحربي الروسي. وهو انذار واضح لتركيا بإسقاط اي طائرة تركية يمكن ان تنتهك الاجواء السورية، وفهم الاتراك مغزى هذا الانذار. ولا اتوقع ان يقتربوا بعد الآن من الاجواء السورية، لان الصواريخ الروسية في انتظارهم. كما ان روسيا عززت قواتها البحرية قبالة السواحل السورية بالطراد البحري "موسكفا"، الذي يحمل على متنه صواريخ "اس 300". وهو قادر على اغراق حاملات الطائرات، وكذلك التصدي لأي هدف جوي، سواء كان اي نوع من الطائرات او الصواريخ البالستية. وهذا تطور مهم على مستوى الازمة السورية، ومن حق اسرائيل ان تقلق بعد الآن. فما كان لها لن يكون، فالرادارات المرافقة لصواريخ "اس 400" تستطيع رصد اي طائرة اسرائيلية، بمجرد إقلاعها من اي مكان في اسرائيل. والمجال الجوي السوري لن يكون، بعد كل هذه التطورات المتسارعة، آمنا لأحد، يفعل فيه ما يشاء. ولولا حماقة اردوغان ورعونته، وحماقة الذين اعطوه الضوء الأخضر، ما كان بالإمكان ان تصل سوريا الى هذه الحماية الكاملة لأجوائها، وأظن ان البقية ستأتي..!!
قد يهمّكم أيضا..
featured

لتسقط حكومة التجويع

featured

اعتداء جديد على الحق القانوني

featured

إدانة طفل فلسطيني بمحاولة قتل: وماذا مع جرائم الاحتلال؟

featured

النضال الوطني الفلسطيني في العالم الافتراضي..!

featured

عن العشب والذاكرة والمشروع الصهيوني

featured

هل هناك تجربة اشتراكية ناجحة؟

featured

وقفة مع جنبلاط و"أبطاله" ومنطلقاته الطائفية